كل خميس: ومن يخطب الحسناء..!!

لا يعرف الشوق إلا من يكابده
ولا الصبابة إلاّ من يعانيها

السيدة الجنوبية التي تحجرت الدموع في عينيها، لم تصرخ «وامعتصماه» أو «واعربياه» وإنما شهقت: أعيدوني إلى بيتي إلى ركام بيتي، لأنصب خيمتي هناك، ربما اكانت تتمنى في أعماقها ولا شعورها أن تدفن تحت الركام، بعد أن عانت ذل النزوح وقهر العسف وهوان الأطفال والتشرد في الحدائق التي أصبحت حرائق تأكل قلوب مرتاديها حيث لا أسرة ولا مطابخ ولا مياه جارية ولا مرافق ممّا ألفه الناس في بيوتهم، ولا حتى أمن تحت رحمة السماء المعادية التي اختفت منها النجوم ورحل القمر وأخذت تمطر ناراً، وصواريخاً، كم من عائلات عربية لا أميركية ولا إنجليزية ولا فرنسيى ولا من بلاد واق واق، خرجت تحت جنح الظلام لتذهب إلى المجهول، مجهول الزمان ومجهول المكان ومجهول الغرائز التي تفتك بالناس بلا رحمة. تصوروا أن هناك من يسرق وجبات النازحين ليبيعها في السوق السوداء: ليأكل الأطفال من تراب الحدائق ففيه مواد مغذية أكثر من الحليب. هذه هي الحرب تفرز مقاتليها وتجارها وضحايا من الأبرياء:
وما الحرب إلا ما عرفتم وذقتم
وماهو عنها بالحديث المرجم
متى تبعثوها تبعثوها ذميمة
وتضرى إذا أضرمتموها يتموها فتضرم

إسرائيل كرمكم الله أكلت مخروجها بعد أن قالوا ذات يوم إن احتلال لبنان لا يحتاج إلى حرب وإنما إلى فرقة موسيقية من فرق الجيش تدخل على أنغام الطبول. يبدو أن زمن السخرية ولّى إلى غير رجعة وكما لم نعرف عدونا على امتداد حوالى قرن من الزمن الهزائمي المريع، فقد جاء دورهم لكي لا يعرفوا ولا يعلموا من بعد علم شيئا، ولا ماهي وظيفة الغرور المتمادي إن لم يكن العماء في البصر والبصيرة؟ «وتلك الأيام نداولها بين الناس» ألا يقول اللبنانيون المصابرون انها دولاب تدور كعجلة السيارة على مدارها الكامل وإلا ما أمكن السير.

المرأة الجنوبية لم تتحمل فكرة البقاء في بيروت، لأنها تريد أن تندب وتلطم صدورها في «حسينية» قريتها. في أي مكان آخر هي غريبة بلا وطن وإن كان وطنها، وحين تكون لاجئا في وطنك فإن مصيبتك ستكون مضروبة في ألف عمّا إذا كنت في أوطان الآخرين. ما أن أعلن عن وقف إطلاق النار الهش جدا حتى أمطرت الأرض سيارات ونساء نسين الابتسام وأطفال يتفرسون وجه الأرض الذي تهشم كأنما أصابه الجدري. العويل يملأ الساحة العربية السكرى من بغداد إلى غزة إلى بنت جبيل:
لقد أسمعت لو ناديت حيّا
ولكن لا حياة لمن تنادي
والسؤال: هل بقيت حسينية أو جامع أو كنيسة؟ لا يهم.. فالمستضعفون يصلون بقلوبهم في قلوبهم، وما النصر إلا من عند الله القائل: «إن تنصروا الله ينصركم» ومن يخطب الحسناء لا يغلها المهر:
وللحرية الحمراء باب
بكل يد مضرجة يدق
ورحم الله الأحياء، أما الذين قتلوا واستشهدوا، فأحياء عند ربهم يرزقون..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s