كل خميس: بيروت يا بيروت

ذهبت الى بيروت عام 1974م عشية الحرب الاهلية عام 1975م والتي سرقت زمن اللبنانيين ودموعهم ودماءهم واستنزفتهم خمسة عشر عاماً حتى توقيع اتفاق الطائف عام 1990م وقد نزلت في شارع الحمراء الذي كان شانزليزيه العرب وكانت بيروت باريسهم وملاذهم الآمن ومكتبتهم الفاخرة الضاجة بكل جديد ومدوي يتعايش فيها اليساريون واليمينيون والوجوديون واصناف من الناس والمعتقدات لا تخطر على البال وكانت السياحة في عصرها الذهبي والدولار بثلاث ليرات ثم دهورتها الحرب فأصبح حمل حمار من اوراقها لا يضيف خمسة اشخاص في مطعم ويبدو ان النعمة تبطر الناس وخاصة الصف القيادي الذي لو كان لديه واديا من ذهب لطلب آخر وهذا يعميهم عن رؤية المصائر التي مرت بها شعوب وامم لم تستطع ان تقدر قيمة ما ترفل فيه من نعمة فيجنحون الى الشقاق بدلاً من العمل والى التأليب بدلاً من التوحيد ولم الصفوف.

وهكذا بدلا من صعود السلم الى العلا يهبطون فيها درجة درجة وصولاً الى القاع وكانت بيروت عشية الحرب الاهلية تبدو لاهية ساهية عن مخزونها المحتدم والأيدي التي تلعب في الظلام فالاصوات تصخب في الصحف والمنتديات ومقاهي الرصيف حيث تشرب القهوة على ايقاع السياسة واناشيد النضال وتقام الليالي الحمراء كأنها بعض اوجه السياسة وبعض مكتسباتها ويجري الحديث عن الحروب مثلما يجري الحديث عن الافراح فالكل خبراء في الايديولوجيات وخبراء في الميادين وليس لهم من شغل شاغل غير رصد النجوم وتسيير الافلاك واستكناه ما تأتي به الايام طالما ان رزق هذه المدينة الفاتنة يأتيها رغداً والناس يقصدونها من كل فج عميق.

ثم وقعت الواقعة فاخرجت الارض اثقالها ففي لحظة حالكة من عام 1975م غاب العقل والحصافة واسلما زمامهما للجنوب والعنتريات الطائفية والعنعنات المذهبية وكانت مرثاة دموية لوطن جميل كان اسمه لبنان ودخل الجميع في حرب لا تنتصر لاحد لانها فاقدة للمشروعية واخذ الناس يقتلون على الهوية فيما الوطن يقطع وتزرع في حقوله الاحقاد والغربان تنهش الثمار دون ان يذودها احد.

خمسة عشر عاماً بالكاد ارتوى آلهة الحرب من صنابير الدماء والذين كانوا يتدخلون سراً اخذوا يتدخلون علانية حتى وصلت اسرائيل بجيوشها الى بيروت كأول عاصمة عربية يصلون اليها على متن دبابة في وضح النهار وكان ما كان من امر مجازر صبرا وشاتيلا وغيرها اما ارزاق الناس وقضاياهم ومستقبل اولادهم فليست في وارد احد لا صوت يعلو فوق صوت البندقية وقد افرزت تلك المأساة تجار حرب يشار اليهم بالبنان وبعضهم زعماء وواجهات سياسية ودينية وافقرت شعباً بكامله فهجرت من هجرت ويتمت من يتمت وعوقت من عوقت حتى بدا الامر وكأنه لا نهاية له.

وها هو لبنان اليوم يعاود جانباً من المأساة تحتاج الى عقول المتعقلين حتى لا يقبض على ناصيتها المجانين.. اللهم.. آمين.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s