كل خميس: صور من يافع

وهو عنوان كتيب تحت الطبع اختار صوره وقدم له الاستاذ صالح عمر بن غالب الحضرمي (حضارم يافع).. وقد حرص أن تكون بلاغة الصور أوضح من بلاغة البيان، وقد استأنس برأيي فقلت له أولاً هذا العمل هو خلاصة جهد شخصي دؤوب على امتداد اكثر من نصف قرن من السفر والتنقل المضني وتسجيل المشاهدات بالكاميرا ثم الاحتفاظ بها وارشفتها وتوثيقها، وهو فعل محبة اردتها لنفسك خالصة دون الناس في حينها، ثم عتَّقها الزمن المتطاول وأبرز محاسنها الجمالية، فرأيت ان تشرك الناس في ما أحببت، وبذلك يكون العطاء عطاءين، فمامن جهد يباركه الله إلا كان للناس منه نصيب قل أو كثر.

ثانياً: نحن في زمن يجري التوثيق فيه حتى لخواطر النفوس وسانحات الأفكار، فما بالك ببدائع العمران التي أنشأها الانسان، فالشعور المرهف لمقاومة الاندثار لصيق بالنفس الانسانية منذ خط الانسان رسومه داخل الكهوف والمغارات وحتى تطاول بالأهرامات وأسوار المدن والبلدان وصولاً الى مادقّ من الصناعات وجلّ مما تزخر به المتاحف.

ومع التطور المتنامي جاء التوثيق الصوري والسينمائي، واليوم وصلنا الى التوثيق الفضائي عبر الأقمار الصناعية التي ترصد كل شيء على ظهر الأرض وفي الفضاء وحتى في اعماق البحار، وغداً لاندري ماذا يحمله الغد، وسيأتيك بالأنباء من لم تزود.. وهي كثيرة كثيرة.

ثالثاً: ان هذا عمل يبنى عليه ويجتذب المهتمين بفنون العمارة ممّن يريدون استبطان فلسفتها وملاءمتها البيئية والحلول التي قدمها مهندسون بالفطرة والممارسة لأن من أعقد مايواجه الحضارة الحديثة مشاكل العمران وانعكاساته على الصحة والبيئة وسعادة البشر الذين تختنق اعداد كبيرة منهم في علب الكبريت الاسمنتية، ولايجدون لهم متنفساً من عوادم السيارات وطفحان المجاري، واختلاط مياه الصرف بمياه الشرب في أعماق الأرض، والحلول المتوافرة لاتصلح لكل زمان ومكان، ولذلك فإن جهد التوثيق يسبق جهد التحليل، والمناطق الجبلية في عموم اليمن التي كانت أشبه بالمنتجعات أخذت الآن تزدحم وتنتقل اليها أمراض المدن تباعاً، ولابد من التنبيه والتنبه لذلك قبل فوات الأوان، وقبل ان يقع الفأس في الرأس.
قلّبت الصور في ذلك الألبوم- الكتيب، فرأيت ما أعرف وما لا أعرف: مساجد قديمة جلّلها البلى، ومآذن حديثة تسبح بين الغيوم، قمماً ازدحمت بالبيوت فهبط الناس الى الوديان الزراعية، ممّا ذكرني بـ«سحول بن ناجي» في اللواء الأخضر وهو احد أخصب وديان اليمن ان لم يكن أخصبها، وكانت متعتي على مدى اسفاري عبر السنين ان اكحل عيني بخضرة ذلك السحول السندسي قبل أن أصعد الى سمارة، وقد بحثت عنه قبل أشهر وانا في طريقي الى صنعاء فلم أجده، ياسبحان الله أين ذهب السحول الذي كان يتفرع من الوادي كسيف اخضر، قال لي مرافقي: لاشك انه امتلأ بالعمران، قلت: ياعيباه، ماذا نقول لعليّ بن زايد وقد خصه بالبقاء والعطاء:
ان كنت هارب من الموت
ماحد من الموت ناجي
وان كنت هارب من الجوع
انزل سحول ابن ناجي
ماعلينا، فهذا حال الدنيا، وقد شكرت للاستاذ صالح حُسن ظنه بي حيث كلفني قبلا بكتابة مقدمة لكتابه «مختارات من الشعر الشعبي» وسعدت حيث شاهدت بيتنا الذي ولدت فيه والذي بني عام 860 للهجرة فقلت لنفسي:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأول

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s