زين الدين زيدان

زين الدين زيدان
زين الدين زيدان

يبدو أن المجد الذي كان ينتظر زين الدين زيدان في حال رفعه كأس العالم فرنسياً كان أكبر من قدرته على التحمّل “ومن المجد ما قتل”، لذلك قرر نطحه بدلاً من ركله كأنماً يقول لجسده الهلكان “ما قيمة أن تكسب العالم وتخسر نفسك”، وكان يحمل على كتفيه وفي تلافيف وجهه أطناناً من التعب المضني، كأنه خرج من لحد، فوخزه الإيطالي بكلمة لم يتحمّلها، وخرج اللسان كجرح اليد، كما يقول امرؤ القيس، فأشعل في داخله غشب نمرٍ صحراوي طال حبسه، وتفاقم أساه، وتذكر أنه من صحراء الجزائر الكبرى، حيث تتكسّر النصال على النصال:

أنا عندي من الأسى جبلٌ=يتمشّى معي وينتقل

هكذا أحسستُ به، وحيداً، شريداً، وغير مبالٍ بالدوي، كأنما “تداول سمع المرء أنمله العشر”، ومطلوب منه وحده أن يأتي بغرّة النصر، وأن يقود “السبايا” إلى الشانزليزيه، تحت أقواس النصر، لتصدح الموسيقى، وتترنح باريس، فيما روما تغرق في الظلام والدموع, كان الوقت في الساعة الخامسة والعشرين، حيث لا وقت ولا زمن، ومطلوب منه وحده أن يأتي بفاكهة الوقت من دهاليز العدم، وهو لم يسمع بأبي الطيب ولا بطَرفة، ففي مدارس المحرومين بـ “مارسيليا” تبتلع الثقوب السوداء كل النجوم:

إذا قالوا من فتىً خلت أنني=عُنيت فلم أحجِم ولم أتبلّد

يا لها من وردة ومن داهية دهياء، “أنا العاشق الوحيد لتـُلقى=تبعات الهوى على كتفيا؟!” ستون مليون فرنسي فرشوا أعصابهم في الشوارع استعداداً للرقص والقصف، ومئات الملايين من الأنصار والمشيّعين حول العالم، ورئيس فرنسا على المنصّة يريد الذهب ليعود به إلى عاصمته على متن الطائرة الرئاسيّة. هل تتحمّل قدم زيدان المُجهدة كل هذا الثقل؟! وهل تعزف لحن الوداع الأسطوري بما يليق بخاتمة لم تخطر لألف ليلة وليلة ببال، يا لها من ورطة أيها العجوز الطامح إلى مجد إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس:

وعرٌ هو المرقى إلى الجلجلة =الصخر يا سيزيف ما أثقله

سيزيف “العربي” نصفه الفارغ فرنسي، ونصفه النازف من “الأتون” الملتهب عبر الصحراء العربية، وكلا النصفين لم يتفقا على التعاريف، فكيف بالتعارف وصولاً إلى المعرفة، يا لها من ورطة بين عالمين: “يا من هواه أعزّه وأذلني=كيف الطريق إلى وصالك دلّني”.

جوقات الشانزليزيه الموسيقية الصاخبة تعبر “الإلزاس” و”اللورين” عابرة البرّ الألماني إلى “برلين”، لتصمّ أذني سيزيف العربي الذي كـُتب عليه أن يحمل الصخرة إلى أعلى “الهملايا”، لتتدحرج قبل أن يضعها على الذروة، فيتدحرج معها صاعاً مجدداً من عمق الوادي. يا لها من ورطة على بعد قذيفة من جحيم “دانتي”، أو جنات عدن، ما أشهى الهدف وما أضيقه، أفيُدخِل الجمل في سم الخياط؟ وعرٌ هو المرقى إلى الجلجلة =الصخر يا سيزيف ما أثقله.

زيدان: إصح يا نايم، وحّد الدايم، فالإيطالي يتربص بك، فهو يريد الطرق كلها أن تؤدي إلى روما، ولا بأس عليك يا طفل البُؤس في حارات مرسيليا الخلفية إن جفلت كأي حصان كريم، أو حتى استبدّيت في ذورة انهيار المعنى، فاليمنيون سيرفعون صورك ويسبّون أصلك، واليساريون سيمحون هويتك ويلوّنون فصلك، وما جدوى أن تكسب العالم وتخسر نفسك يا طفل البؤس، لقد آن لك أيها الفارس أن تترجل:

ليت هنداً أنجزتنا ما تَعدْ=وَشَفَت أنفسنا مما تجد

واستبدت مرة واحدة=إنما العاجز من لا يستبد

لن تكون يوليوس قيصر، ولا لويس الرابع عشر، ولا نابليون بونابرت الذي لعب الكرة مثلك ولكن برؤوس الدول، سيعزفون لك “المارسيليز”، وتمر من تحت القوس أسيراً بين الأسرى برتبة مقدم، ثم تتسلل قبل الإنطفاء إلى حارة خلفية في مارسيليا، تشرب دموع الطفولة، لا دموع الأسود، وتُحاول أن تتهجى أسماء المتنبي وطرفة والجواهري ومالك بن نبي بعد فوات الأوان… بعد فوات الأوان يا زين الدين زيدان.

ن يانور الدين زيدان.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s