الصاعُ بصاعين..!!

نواصل ما ذكرناه بالأمس من حكاية نصّاب (بانجلور) المعرّب الذي رتّب لسرقة حقيبة يدي بصورة مبتكرة بمشاركة القرود والعسس وكائن خفي تسلل إلى الاستعلامات – الذين أكدوا أن أحداً لم يدخل على الإطلاق، وكانوا في ذلك كاذبين، لأن الحقائب لا تنبت لها أجنة تطير بهاوتختفي عن الأنظار -. ولما كانت الحقيبة لا تحتوي سوى معجون وفُرشاة الأسنان وعدة الحلاقة، فقد أخذت أضحك من نفسي ومنهم وأقول “مع ورور والكلب الأعور”، يعني في ستين داهية، “وأنا اللي جبتها مش هي جابتني”، إلى أخر مواويل الخيبة، وكان جيبي دافئاً عامراً بنقودي والجوازين، فقررت مواصلة اللعبة مع النصاب (محمد علي) الذي تأكد من ملاحظته هدوئي أنني لم أشك فيه أبداً، وقد أخذ يتباله ويتصنّع الأسى مع تسريب السؤال عما في الحقيبة، فقلت له: “كل شيء، كل شيء يا (محمد)…”، كزّ على شفته فهو شغوفٌ بالتفاصيل حتى لا يغشّه الشريك الخفي الذي لا شكّ أنه قد فتح الحقيبة – التي لا أقفلها لا بمفتاح ولا بأرقام – وعاود السؤال: “يعني دولارات؟”، “عشرة آلاف يا (محمد)، وخمسة آلاف استرليني، وبعض المجوهرات يا (محمد)… يعني كل شيء انته ما تفهم كلام عربي يا (محمد)؟”، “لا لا أنا أفهم يا عمي…”، عمى يعميك. وقد بَرَقَت عيناه بالفرح وسمعت قرقعة صادرة عن حنجرته نتيجة ازدراده لريقه تشهياً كأنه جائع أمام مائدة عامرة، وبدا بعد أن أوصلني بسيارته إلى الفندق الجديد كأنه جالسٌ على شوك، وسألني إن كنت أحتاج إلى شيء حتى تأتي نقودي الجديدة التي يخطط لسرقتها بالتأكيد، “ألف روبية يا (محمد)”. تأكد فعلاً أنني لم أعد أملك أي نقود، فأعطاني الألف، وأدمى قلبي بقصة أمه التي هي على فراش الموت، لذلك فهو مضطر لتركي وغداً سيأتي، وكان في قصته كذاباً أشر، لأنه قلبه وعقله معلقٌ بالغنيمة، وحين غادر وهو يكاد يطير من الفرح، أخذت أضحك من كل قلبي حتى شرقت بالدمع، فقد رددت له الصاع صاعين، والبادي أظلم، وبعد قليل ستنشب حرب اللصوص، وإذا اختلف السّرق ظهر المسروق، وما هي إلا ساعة من الزمن حتى عاد وفي وجهه كدمات وعيناه وارمتان لكأنه (ابن كيغلغ) الذي وصفه المتنبي:

وإذا  أشار  محدّثاً iiفكأنه
قردٌ يقهقه أو عجوزٌ تلطم

أين هذا من الوسامة القسامة والعَطرَنة التي جاء بها في الصباح… ادّعى أنه ضرب كل من في المستشفى وضربه كل من في المستشفى لأنهم أهملوا أمّه فتدهورت حالتها، وأنه في حاجة ماسة إلى الألف روبية، قلت له: “من أين يا (محمد)… عشرة آلاف دولار، وخمسة آلاف استرليني، والمجوهرات يا (محمد)… ما عندك ألف ثاني يا (محمد)…؟” أدرك اللعين أنه قد أحيق به، وأنني ربما أستدعي الشرطة، فولّى الأدبار غير مأسوفٍ عليه…

الشاهد أو (رابط الكلام) كما يقول إخواننا العراقيون أن يكون الإنسان في سفره حذراً ممن يتقرّبون إليه من الأغراب، منفتحاً مع من يتقرّب إليهم هو. ففي العواصم السياحية الكبرى توجد فئات تتعيّش على المسروقات، وتمتلك المهارات لذلك، وهي تصطاد البط الأعرج – حسب التعبير الغربي – أي أولئك القابلين للغواية، والفضوليين الذين يتسكّعون في الأسواق على غير هُدى… وقد فاتني القول أن (بنجالور) التي يوجد فيها وادي السليكون الشهير الذي رفع مقام الهند علمياً وعالمياً هي إحدى أعظم المدن في شبه القارة، وتشتهر بنظافتها ومستواها الثقافي العالي، وعمارتها الباذخة، وما النصّاب (محمد علي) وأمثاله سوى الشاة السوداء في القطيع الأبيض، وعلى مقربة منها تقع (ميسور) أرض الحرير وقصور المهراجات، تصل إليها عبر ريف ساحر، كل شيء فيه جميل وشامخ إلاّ الإنسان، تجده بائساً حافياً نصف عار، من أولئك الفلاحين الذي كُتبت عليهم السُّخرة إلى يوم الدين.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s