الشيء بالشيء يُذكر

ولأن الشيء بالشيء يذكر، أو على حد تعبير الفنان (محمد عبده) في أغنيته الجميلة (الأماكن): “كل شي حولي يذكرني بشيء”، فقد رويت لـ (زوربا اليماني) ونحن في طريقنا إلى (الأرض العالية) خارج (كوالالامبور) ما جرى معي في (بنجالور) بالهند، فما إن وضعت رجلي في غرفتي بالفندق، وأخذت أتعجب من جيش القردة الذي يقدّم عرضاً بهلوانياً على الشجرة الضخمة التي تطاول جميع الغرف المطلة في اتجاهها، حتى رنّ جرس التلفون، فقلت لابني (خالد) – وكنت قد صحبته لإلحاقه بالدراسة الجامعية – “خير إن شاء الله، من يعرفنا في هذه المدينة، لعلّها الاستعلامات!”، وكان المتحدث على الطرف الآخر يتحدث العربية فقال: “ألا تتذكرني يا أستاذ (فضل)، أنا (محمد علي) أعرفك من دبي، وأريد أن أراك”، سألته بسذاجة: “وكيف عرفت أنني هنا؟” قال: “بعدين نتكلّم”، قلت: “بعدين بعدين… تفضل يا سيّدي على الرحب والسعة”. وقد راودني شيءٌ من الخَيُلاء أمام إبني من أنني معروفٌ حتى في بلاد تركب الأفيال. شرّف حضرته: وسيمٌ قسيمٌ متهندم حليق متعطّر يرفل في ثوب عربي، وقد تأكدت أنه لم يسبق لي رؤيته أبداً، وقد حاول أن يقنعني أولاً بالإنتقال إلى فندق آخر أجمل من هذا وبنصف سعره، ترددت قليلاً، فقام إلى النافذة وفتحها من أجل (أوكسجين) أكثر إنعاشاً، فإذا بالقردة تتقافز من الشجرة واحداً إثر الآخر، وتمرق من حافة النافذة إلى داخل الغرفة غير مبالية بأحد، فقد تعوَّدَت الأمان في هذه البلاد التي تقدّس كل كائن حي، ثم أخذت تعبث وتلهو، فأكلت صحن الفاكهة عقب معارك وأصوات منكرة جعلتني أرتعد فرقاً في مواجهة أسنانها المدببة كالمُدى… وكان الهندي المتعرّب (محمد علي) يضحك ملء شدقه وهو يقول: “قردة جميلة ودمها خفيف”، قلت في نفسي – وقد أصبحت أسير القرود – “الله أعلم كيف با تكون النهاية معك”. ثم سألته عن الفندق الآخر وهل توجد فيه قرود فقال: “لا، هذا فندقٌ عالمي وبنصف السعر”، قلت: “توكّلنا على الله، أنت رجل طيّب يا (محمد) وجئت في وقتك هدية من السماء، ولن أسألك كيف عرفت اسمي ورقم غرفتي، فقط أخرجني من هذا اليم ولك الفضل والأجر”.

وبإلهام لا أستطيع تفسيره – تناولت حقيبة يدي وفتحتها وأخرجت جوازي وجواز ابني ووفيهما تذكرتي السفر ووضعتهما في جيب المعطف واتكلنا على الله إلى الاستعلامات الذين حاسبوني على أساس نصف يوم مقابل الدقائق التي قضيتها ضيف القرود، قلت: “لا بأس، سلامة الرأس فائدة”، ولاحظت أنهم كانوا شبه سعداء بذلك البهلوان الذي يأخذ الضيوف من فندقهم إلى فندق آخر، كأنّ الأمر متفقٌ عليه، وقد أخذتني هذه الأفكار بعيداً قبل أن أكتشف إختفاء حقيبة اليد التي كانت إلى جانبي، وأنا واقف على (كاونتر) الاستعلامات و (النصّاب) إلى جانبي لم يتحرّك كدليل براءة لا يُدحض، وقد أخذ يولول أكثر من ولولتي، ولأن الجنازة حامية والميت كلب، كما يقول إخواننا المصريون، فقد أوقفت البحث غير المجدي لأن الحقيبة كانت خالية من أي شيء عدا معجون الأسنان وعدّة الحلاقة. وقد حضر أثناء الواقعة ضباط شرطة برتب عالية – عرفت فيما بعد أنهم أمن الفندق – وقد برطموا ورطنوا ورسموا ملامح الحيرة والاستغراب على سحنهم الكالحة، ثم ضربوا الكفوف في الكفوف وانصرفوا وهم يمصمصون شفاههم، فيما موظفو الاستعلامات لم ينبسوا ببنت شفة، وكأن الأمر لا يعنيهم من قريب أو بعيد… وللموضوع صلة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s