طرائف السفر

لا تزال الأسفار فاكهة الأسمار، ولا يخلو أي سفر من طرائف بسبب اختلاف العادات، وتبيان اللغات، وتعدد المسمّيات، وما يسعى إليه الناس من البحث والتنقيب عن المختلف والمغاير شوقاً إلى التجديد، وظمأً إلى المعرفة، وإرضاء لفضول أصيل في النفس الإنسانية للإطلاع على ما لدى الغير وتوقيفه في الذاكرة، فمع الهدايا تأتي الحكايا دائماً عند العودة إلى الدار، واستقبال الزوار.

ومما حدث معي في (ماليزيا) الصدمة التي صدمني بها بنكي الذي أتعامل معه، وهو أحد البنوك العالمية المرموقة، وبطاقته الإئتمانية تداوي رأس من يشكو الصداعا، يعني مثل سيف (عنترة)، تقصّ أيّ رقبة، وتقبلها كل مكائن دفع النقود الفورية، أياً كان البنك الذي تتبعه.

وكانت بطاقتي مصدر فخر لي ألوّح بها في وجه (زوربا اليماني) رفيقي في الرحلة كلما تحدّث عن النقود وتناقصها، ولم تكن هناك مشكلة أبداً، حتى رأيت مبنى بنكي يتسامق إلى السماء، ويتلألأ بالأنوار، فغمرني شعورٌ بالفخر والأمان، وقد لمحت الغيرة في عيني رفيقي (علي الضيآني) فتظاهرت بأنني لا أرى إمعاناً في إحناقه، وقد صحبته من يده إلى الداخل المُضاء بأنوار تبهر الأنظار، وكان المشهد هوليودياً بحق وحقيق، فهناك نحو ثلاثين آلة لمختلف الخدمات الفورية، كلها تغمز وتلمز بالأحمر والأصفر والأرجواني، والناس سيلٌ لا ينقطع، تـُقضى حوائجهم في لمح البصر.

ياله من عصرٍ لم يخطر ببال كل العصور. وقد دفعت ببطاقتي إلى بطن إحدى الآلات وأنا مُبتسمٌ جذلان، فرجعت إليّ على الفور بما بمعناه أنها غير مقبولة، وهذا يناقض أي منطق لأنها صالحة وفيها وديعة، وهي الآن في بيت أبيها وليس في بيوت الجيران، أعدت الكرّة فعادت إليّ تجري هذه المرة، أعطيت ظهري لـ (زوربا) حتى لا يرى الخيبة في عيني، ودفعت بها مرة ثالثة فابتلعتها الآلة الغاضبة – كما ابتلع الحوت (يونس) عليه السلام – عقاباً لي، مع أن التكرار يعلّم الحمار.

وهكذا دخلت في دوّامة استعادة بطاقتي التي تقبلها كل البنوك إلاّ بنكي وبنكها، لسببٍ لا أعلمه حتى الآن، فقد قيل لي راجع بنكك في بلدك، ولأول مرة أرى (زوربا) يقهقه حتى كاد يقع على قفاه شماتة بي. وقد انطفأت جميع الأنوار في داخلي وخرجت خائفاً أترقّب، لا أنظر إلى الخلف أبداً، وقد قلت لـ (زوربا): “عدّ نقودك واقسم قسمة أخوّة، لأنه يبدو أن النهاية اقتربت”، وقد رقّ قلبه لي وأخذ يطمئنني حتى جاورنا إحدى آلات الدفع في الشوارع فقال لي جرّبها هنا، فاقتربت على وجل وما أن أدخلتها في الآلة حتى تهللت الشاشة “شبّيك لبّيك… عبدك بين يديك”، وكانت الآلة تتبع بنكاً لم أسمع بإسمه في حياتي، ولا أستطيع حتى تهجئة حروفه. وهكذا كتب للرحلة عمرٌ جديد، وقد محوت بنكي العالمي من ذاكرتي المضيئة، وأحلته إلى خرائب النسيان مع البوم والغربان.

في طريق العودة اختفى رفيقي على غير عادته، فعدت أدراجي أتشمم أخباره وأقصّ آثاره، فلمحته في أحد الأركان يتهامس مع اثنين من أخواننا الأفارقة الذين أعرفهم كما أعرف كفي، فهرولت إليه قبل أن يقع الفأس في الرأس، وكانا يحدثانه في الموضوع الأثير حول تحويل المائة دولار إلى ألف، والألف إلى مائة ألف، وهكذا دواليك، وكانوا قد وصلوا إلى المليون الثالث وعينا (زوربا) جاحظتين من الدهشة، فزعقت فيهم زعقة أخافتني أنا، لأنها كما يبدو نصيبي من موروث عصر الغابة، ادّخرتها لمثل هذا الموقف، فولوا الأدبار فراراً كأنهم حمرٌ مستنفرة فرّت من قسورة.

قلت لـ (زروبا)… هذا العشم… لمّا جاء حديث الملايين اختفيت في الزاوية، أمّا حديث الملاليم فصوتك يخرق طبلة أذني… أحسّ بالسخرية فوجم، قلت له واحدة بواحدة، هذه ببطاقة البنك، وهنا حفرنا وهنا دفنّا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s