قومٌ هم الزفت والأطهار غيرهم

زفت… زفت، وماله يا عمّ معمّر، على الأقل يمكننا أن نكون مفيدين في تبليط التراب الذي منه خلقنا وإليه نعود، ثم أليس الزفت من مشتقات الثروة النفطية التي رفعت البعض إلى السّماء ثم أخفقوا في الطيران فعادت بهم الجاذبية إلى أرض الواقع، حيث الحساب والعقاب، وإعادة الفرز بين الذهب والتراب (مع أن الزفت مادة كريهة الرائحة إلاّ أنه مثل الدواء المر، يمكن أن يكون مفيداً، وإن يجد لنفسه مشترين يأكلون من وراءه زفاتته السمن والعسل آنياً، وربما يأكلون القديد في قابل الأيام حين تسوء الأحوال).

نحن لا ننسى أن العقيد القذافي هو عميد الزعماء العرب كما أطلق على نفسه في قمّة عمّان، وبالتبعية هو عميدنا جميعاً، كما كان الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي، وأم كلثوم كوكب الشرق، ومحمد حسنين هيكل عميد الصحفين العرب، وفاتن حمامة سيدة الشاشة العربية، وعادل إمام عميد الكوميديين العرب، و… و…

وإذا كان هذا رأي العميد فينا بأننا زفت وقطران، فأخشى أن يكون رأي الأساتذة المعترفين بعمادة القذافي أشد قسوة وزفاتة من السيد العميد، لأن الناس على دين ملوكهم وكما تكونون يولّى عليكم، وساعتها سنفتقد الحنان ونصبح أضيع من الأيتام على موائد اللئام.

أمين الأمة العربية – عافاه الله – أعطانا ظهره مشكوراً وأدار وجهه إلى أفريقيا السوداء – مشكوراً أيضاً – ونحن والله لسنا آسفين ولا كارهين، لأننا نحب العقيد منذ نعومة أظفاره في الحكم، ونتمنى له أكثر مما يتمناه لنفسه، ولعل وعسى أن تثمر زهرة في الحقل الجديد قد يصل شذاها إلينا ولو بعد حين، ولربما وجد عميدنا – الذي تخلى عن طلبته بما فيهم النجباء والبلداء – أنّ طرق أفريقيا ليست معبدة بالزفت والقطران مثلنا، وإنما بالمسك والزعفران، وخاصة وقد أثبتت الأيام أنه صاحب رؤية لا يشقّ لها غبار، والإخوان الأفارقة هم أشقاء الروح في السراء والضراء، وأي خير يصيبهم فسيكون لنا منه نصيب، أمّا إذا أصابهم ما أصابنا فذنبهم على جنبهم، وقد أعذر من أنذر.

الشيء الذي حيّرني هو حديث العميد عن العرب، وكأنهم خارج مؤسسة العمادة، يعني كنا ضيوفاً في مؤسسة بإسمنا، ولكنها ليست منا ولسنا منها، يا خسارة؛ كم كنا مغفلين، وأخشى ما أخشاه أن كل من عنده أزمة أو يريد أن يتقرّب إلى أمريكا سيركب منبراً ويقول: “هؤلاء العرب… وهؤلاء العرب، وليذهب العرب إلى الجحيم، و {الأعراب أشدّ كفراً ونفاقاً}، إلخ…، وساعتها سنردد مع الأمير خالد الفيصل في قصيدته الشهيرة: “حنّا العرب”، وماله حنّا العرب، ولو أصبح الصخر مثقالاً بدينار، والحرّة تجوع ولا تأكل بثدييها.

المشكلة أن العميد لم يمهلنا بعض الوقت لكي نبحث لنا عن ملجأ، ولم يتح لنا الفرصة لكي نسافر معه ضمن القافلة على مسؤوليتنا وبفلوسنا، ولم يصرف للمساكين منا حقوق نهاية الخدمة لخمسة وثلاثين عاماً من الهتافات للقومية العربية – التي كان يمثلها – بل أنه حمّلنا مسؤولية خيانة سياساته التي لم يستشرنا بشأنها، ويا ويلي إذا ما عنّ له أن يطالبنا غداً بسداد تعويضات لوكربي والنيجر وبرلين وبلفاست، لذلك علينا أن نفكّر بإعلان إفلاسنا قبل أن يَحجُر القضاء الدولي على أموالنا، وتفكروا يا أولي الألباب.

وكل عام ونحن من الزفت وإليه راجعون… ولا حول ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s