فيا ما أحيلاها !!!

في (ماليزيا) تلمس نوعاً من المحبة – حتى لا أقول القداسة – للغة العربية، والحرف العربي، وقد سَعدتُّ بذلك منذ الطائرة التي كانت تشق طريقها بعنفوان وسط زحام السحب الموسمية الممطرة، قادمة من (بوكت) المنتجع الجنوبي التايلاندي الجميل في طريقها إلى (كوالالامبور) العاصمة التي تجمع بين بهاء (باريس) ورسوخ (لندن) وسحر الشرق، فقد تصفحت مجلة (الخطوطة الماليزية)، ووقعت على تحقيق مصور باللغة الإنجليزية حول الإبداعات المالاوية في كتابة القرآن الكريم ولغته الحاملة جزءاً من الهوية المالواية التي تنعكس على مختلف مناحي الحياة، ومن فرحتي بهذا الاكتشاف المبكر الذي أثلج صدري، وهدّأ روعي، بعد أن غابت عن عيني في بلاد (الثاي) لغتنا الجميلة التي قال عنها (حافظ إبراهيم):

أنا  البحر  في أحشائه الدرّ iiكامنٌ
فهل  سألوا  الغواس عن iiصدفاتي
وسعت   كتاب  الله  لفظاً  iiوغاية
وما  ضقت  عن  آيٍ به iiوعظات
فكيف أضيق اليوم عن وصف آلة
وتنسيق     أسماء    iiلمخترعات؟

نعم اللغة العربية لا تضيق، ولكن ناسها يضيقون، وحين لا تكون لهم أجنحة فإن أجنحتها تتكسر وتتحنط في المعاجم بين أكداس الكلمات الميتة، ذلك أن اللغة هي الحياة، فإذا كانت حياتك مستعارة فإن لغتك ستكون مستعارة أيضاً، وقس على ذلك – يرحمك الله – فـ “الثوب المستعار لا يدفئ”.

أعود إلى ما أسلفت وأخذني منه الاسترسال فأقول إنني من فرحتي لم أرغب في إكمال التصفح في الطائرة، فأخلدت إلى غفوة مما يُسرّ به مسافرو الجو، قال صاحبي ورفيقي (الضيآني) – الذي أصبحت أسميه (ساحبي) – إنها كانت نومة عميقة أفقدتني الإفطار الشهي، فقد عاملتني المضيفة الحسناء على طريقة أهلنا في سالف الزمان، إذا ما نام الطفل بلا عشاء فتطلب الأم إيقاظه فيردّون بالقول: “عشاه نومه”، ويبدو أن في الأمر سراً من أسرار الإعجاز في الخلق، ففي النوم صحة للأبدان أكثر مما في الطعام، ومع ذلك فقد شككت في أن يكون (ساحبي) هو من أكل إفطاري، ثم ابتعد إلى آخر الطائرة يصوّر تشكيلات السحب ولهوها البريء مع أشعة الشمس المحجوبة، تمسك بها ثم تطلقها، ثم تستأذنها في حل ظفائرها، ولكنه أَقسم… فقلت له: “قف عند حدك، أنت المسؤول سواء أكلت أم لم تأكل، والحكم غداء (دبل) تدفعه من حرّ مالك”، فرد: “إذا كان الأمر كذا فقد هانت… وجب”، قلت: “وجب”.

في مطار (كوالالامبور) سمعتها فيا ما أحيلاها وأرخم صوتها، فقد كان المطار الفخيم الوسيع يتلاجب بأصداء اللغة العربية في إعلانات الوصول والمغادرة، ثم رأيتها تميس بأثواب الحروف على اللافتات:

فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا
وأهلاً  وسهلاً  بالحبيب  iiالمتيّم

ولم تكن هناك عجمة في النطق، أو غنة محلية مما نجده في بعض المطارات العربية، أما في إذاعاتنا وفضائياتنا فلغة يندى لها جبين (أبي الأسود الدؤلي)، و(سيبيويه)، و(الكسائي)، وأهل العراقين من نحويي (البصرة) و(الكوفة)، ولا يجدي معه حتى البكاء، لأن الدموع لا تطاوع:

وجف الناس حتى لو بكينا
تعذر  ما  تبل  به iiالعيون

على كل… شكراً لـ (ماليزيا) وأهلها، فربُّ أخٍ لك لم تلده أمك. وقد أخذت أسير في المطار مع (ساحبي) كذلك الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، فقد جئنا بدون تأشيرة، وبناء على “قيل وقال”، فإذا بضابط الجوازات يمنحنا تأشيرة دخول لتسعين يوماً دون رسوم ولا يحزنون، ودون أن ينبس ببنت شفة، وهكذا خرجنا كما تخرج الأسد من غابها، وإنما دون مرور على شفرات السيوف، ولا إتيان للمنايا والحتوف، وإنما إلى أرض راضية مرضية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s