ماليزيا – تايلاند…

تتمتع (ماليزيا) ببنية أمتَن وأحدث من جارتها الكبيرة (تايلاند)، هكذا يُخيّل للعين الرائية للوهلة الأولى، ابتداءً من المطار الضّخم البالغ التنظيم، والذي يستخدم القطار في النقل الداخلي، ويديره الملاويون بكفاءة ملحوظة، إذ يَندُر أن ترى أحداً من الأقليات في هذا المرفق السيادي الذي يعتمد اللغة العربية ضمن ثلاث لغات لنداءات المسافرين، ووصولاً إلى العاصمة (كوالالامبور) – التي تبعد أكثر من ساعة بالسيارة – والتي تمُرُّ خلالها على مجمعات سكنية أنيقة، وتلال خضراء، وشبكة طرق مكلّفة وسريعة، تدفع السيارات مقابلاً مادياً مقدوراً عليه للمرور عَبرَها من أجل إعادة التمويل.

ولكن السياحة ليست في البنية فحسب، وهنا تتجلى براعة التايلانديين الذين جعلوا من بلادهم قبلة السياحة العالمية، يأتيها الزوّار من كلّ فجٍ عميق، فإذا مثّلنا للسياحة في (ماليزيا) بأنها على هامش اقتصاد قوي وناهض، فإنها في (تايلاند) في المِتن، وفي قلب العمليّة الاقتصادية، ولا شك أن العامل الزمني ومهارة اقتناص الفرص لعبت دوراً في ذلك. وكما نعلم جميعاً فإن “مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد”، وقد كانت الحرب الفيتنامية الأمريكية الممتدة هي بداية استيقاظ الحس السياحي في (تايلاند) التي كانت تضم عدة قواعد جوية أميركية، ثم اتخذ الأمريكيون منها ساحة خلفية لراحة جنودهم المُنهكين، وقد أمطروها دولارات، وأمطرتهم استئناساً وراحة و (مساجات) للأقدام المنهكة. وفي هذا الوقت المبكر كانت (ماليزيا) تعيش اقتصاداً تقليدياً، وإرباكاً سياسياً وهي كما تعلمون مُؤلفة من ولايات يحكمها سلاطين بالوراثة، وقد توصلوا بمهارة إلى الصيغة الحالية التي يَحكم فيها فعلياً رئيس الوزراء الممثّل للحزب الحائز على الأغلبية البرلمانية، مع وجود ملكٍ “يملك ولا يحكم” كما يقول الإنجليز، ويؤدي واجبات بروتوكولية لفترة محدّدة، يتولى بعدها ملكٌ آخر من ولاية أخرى، فلا ضرر ولا ضرار، ويبدو أن الجميع راضٍ عن هذه الصيغة التي تنُمُّ عن نضجٍ سياسي. وفي (تايلاند) – التي تعدّ حوالي سبعين مليون مقابل 23 مليون من البشر لـ(ماليزيا) – فإن النظام الملكي التقليدي عميق الجذور، ويحظى بالإحترام، وقد أمضى الملك الحالي ستين عاماً على العرش، وشعبه يدعوا له بطول العمر، وكفى بذلك تزكية للحكمة، فالعبرة ليست في نوع النظام، وإنما في الرّشاد السياسي، وموازنة ما بين الحاكم والمحكوم، وإتاحة الفرص أمام العموم لتحصيل أرزاقهم دون الافتئات على مصارد العيش. وقد ذكر لي أحدهم أن الملك وجّه بأن يتمّ تسهيل كل فرص العمل للناس، على أن لا يمدّ أحدٌ يده للتسوّل، وفعلاً لم أرَ أحداً يفعل ذلك. وتنهض المرأة التايلاندية بدورٍ كبير في إعالة نفسها وأسرتها، وهنّ يغطّين بنشاط وهمة كل مجالات العمل المناسبة لأنوثتهنّ في المكاتب والفنادق والخدمات، تاركات الأعمال الشاقة للرجال. وتتمتع التايلاندية بشخصية واثقة ذات جدارة ملحوظة، أمّا الماليزيات من الملايو فإن إسهامهنّ في الحياة العامة يبدو محدوداً، وإن كنّ مع انتشار التعليم والوعي يسارعن الخُطى للّحاقِ بالماليزيات ذوات الأصول الصينية، وبعض ذوات الأصول الهندية، وكلا الأخيرتين يدرسن في مدارس خاصة تؤهل للعمل أفضل، ذلك أن التعليم العام المجاني يقتصر على لغة أهل البلاد الأصليين (الملايو)، والتي تُدرّس في المدارس الخاصة أيضاً، ولكن في حدود، بحيث تكون هي لغة التفاهم في المجتمع، وإن كانت تُنسى بعد حين لقلّة الاستخدام ضمن العرقين الأخيرين.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s