حكمت فعلت…

نوردوم سيهانوك
نوردوم سيهانوك

“حكمت، فعدلت، فأمنت، فنمت”، هذه الجملة التي نُقشت على صدر التاريخ، ونسبت إلى رسول كسرى القادم من أبّهة الملك، ليرى من ظنـّه ملك العرب الصاعد إلى النجوم، فدُلّ على عمر بن الخطاب، الذي كان نائماً تحت شجرة مغطياً عينيه بفضلة من ردائه، وقد ريع الرسول الكسروي، فأنطقته الدهشة هذه العبارة، التي صارت مثلاً وعنواناً للعهد العمري، الذي لم يتكرر إلا نادراً في عهد حفيده وسميّه عمر بن عبدالعزيز.

ولا أدري لماذا تبادر إلى ذهني هذا الموقف الذي لم يُبله الزمن ولن، وأنا أقرأ ما نقل عن لسان ملك كمبوديا السابق نوردوم سيها نوك، الذي تجاوز الثمانين عاماً بثلاث، وهو يعلن للملأ فخره بالعيش على معاش حكومي، مشيراً إلى أن حياته المتواضعة البادية للعيان لدليلٌ على حقيقة أنه لم ينغمس في فساد على الإطلاق، ولم يتقاض رشوة، ولم يفعل أي شيء يتعارض مع العدالة.

لقد عُرف سيها نوك على مستوى العالم كزعيم محبوب لبلادٍ منكوبة، وخاصة في محنتها مع الخمير الحمر، الذين أبادوا الملايين في حفلات رعبٍ استمرت سنوات عجاف، وهم يظنون – لجهلهم وجلافتهم – أنهم رُسل العناية للإنسانية، أما الله تعالى فلم يعترفوا به أبداً، وقد أنجبوا على شاكلتهم ماركسية كمبودية لم تمت بصلة إلى ما أنجبه الفيتناميون وقبلهم الصينيّون، وكذلك الكوريون الشماليون الذين رفعوا عبادة الفرد إلى مستوى مطلق في شخص كيم إيل سونج.

ما كان سيها نوك بحاجة شخصية إلى هذه الإشارة أو الإشادة بالنفس، ولكنه – وقد أمعن في الحكمة – أرادها رسالة إلى جيل من الزعماء لم يعرفوا من السلطة سوى الوجاهة والبذخ على طريقة الطاووس الذي قال فيه شوقي:

مشى الطاووس يوماً في اختيال=فقلـّد شكل مشيته بنوه

فقال علام تختالون قالوا=بدأت به ونحن مقلّدوه

القدوة مهمة، ومعها يأتي القانون، ومن ورائه القضاء الحازم، حيث يعرف الرجال بالحق، ولا يعرف الحق بالرجال.

وربّما كان الزعيم نيلسون مانديلا هو المثل الأبرز على الزهد في السلطة وفي الدنيا معاً، الأمر الذي قبلت في ظله الملكة إليزابيث أن تركب معه العربة الملكية المطهمة وهو بقميصه الملوّن المشهور، خلافاً للبروتوكول الصارم في بلاط آل وندسور بقصر باكنجهام، ذلك أن طهارة القلب واليد تأتي قبل طهارة اللباس والمظهر.

وقد وُجد من الزعماء المتطهّرين حشد لا بأس به في القرن المنصرم، ولكنهم تطهّروا في المظهر وتقشفوا في العيش، وما تطهّروا من دماء الناس ومعاشاتهم، لكأنهم كانوا ينتقمون من أنفسهم، وما سنّوه من سنن، فالتوازن مطلوب حتى لا يكون أمرٌ على حسابِ أمر، ومن للإنسانية برجل كعمر كان يقتص من نفسه قبل اقتصاصه للناس من الناس.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s