المتديفسون

وهم فئة من الناس المترفين، يبيعون السمك للجائعين وهو يسبح في الماء، والشاطر من جياع العالم من يأتي بصنارته ليحاول اصطياد سمكة مراوغة دون خبرة سابقة، والنسبة هي إلى دافوس، الذي يقال إنه منتجع جميل في سويسرا التي تتكدس فيها أموال العالم تحت إمرة صيارفة متجهمين، يحرسون الخزائن بالدقة والجبروت الذي يحرس فيها (مالك) نار جهنم الحمراء حتى لا يخرج منها بائس جلبه سوء عمله وربما سوء حظه إلى هناك، والديفوسيون يتنقلون كل عام من منتجع إلى آخر وفقاً لروزنامة الأحوال الجوية، حتى يكونون في التبات والنبات، وفي الأجواء الحميمة المعتدلة، وعلى حوافي الشواطئ الزرقاء، لأنه وفقاً لمنهجهم في الحياة “ساعة لربك وساعة لقلبك”، وهم قد يفرّطون في ساعات ربهم ولكنهم لا يفرطون في ساعات قلوبهم، وقد استضافهم الأردن الفقير مرّتين وربما ثلاثاً “وين الغني أزيده، ووين الفقير أقطع إيده” كما يقول المثل، وأمس بدأوا منتداهم في شرم الشيخ تحت حراسة مشددة غير مسبوقة، فإذا لم يتم حراسة هؤلاء الذين قيل في مقتيرهم – من باب عدم التعميم – أنه لن يدخل الدنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، وهيهات أن يلج الجمل، والله أدرى بعباده، ويقول البدو في فيافيهم التي يلهثون في بيدائها وراء الماء والكلأ: “لا تقل للجمل دُر وعينه أكبر من عينك”.
وجمال دارفوس المحملة بالذهب والفضة وبما خف حمله وغلا ثمنه من الياقوت والمرجان لا يتوقع منها أن تنزل حملاً واحداً من أحمالها المرموقة، لا في شرم الشيخ ولا في عمّان، لأن (سندريلا) اليتيمة الحافية في الشرق ينبغي أن تظل كذلك، لتشعل الخيال الغربي الذي تربّى على ألف ليلة وليلة ونساء يمشين تحت القناديل ويفوح عطرهن من تحت الأردان والبراقع التي يقول عنها المغني الأردني “لابسات البراقع… يا سعد جنني”.
ومع ذلك ومع أن في أفواهنا مياه كثيرة إذا فتحناها سال ولم يطب، فلا بد من القول أن منتديات دافوس سواء عقدت في منتجعها السويسري الأصلي على سفوح جبال الألب الساحرة أو في عمان التي بُنيت على غرار روما على سبعة جبال تهفو جميعها إلى المدرج الروماني الصامد وتحلم بـ (البتراء الوردية) وترعى القمر في وادي (رم)، أو في شرم الشيخ بالوادي المقدس طوى، فإن فيها من التسلية ما يبرر استمرارها، فهناك عروض الأزياء الفاخرة لربات الصون والعفاف، وهناك حفلات تليق بالضيوف الكرام حيث لكل مقام مقال، وهناك صفقات وأي صفقات تعقد بين الكبار دون أن يعلم الصغار عنها شيئاً، ومن حق الكبير يتدلل… أليس كذلك؟ ومع ذلك ففي هذا المنتدى الضخيم الفخيم هناك عدد من الضيوف هم “أضيع من الأيتام على موائد اللئام”، لأنهم جاءوا يحملون أحلام شعوبهم بالتنمية المستدامة والحياة الرخية إلى من ينظر إلى ما تبقى من أسلاب في ترابهم ليغنمها حلالاً بلالاً برضاهم تحت حجج السوق المفتوحة وتشجيع الاستثمارات، وليأت بعد ذلك الطوفان.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s