المتنبي عاشقاً

قالوا في أبي الطيب أنه كان بعيداً عن الهوى، وهل كانت حياته سوى العشق المشبوب؟ ولو لم يكن ذاك لما تأججت النيران في أشعاره وعبرت العصور لتشعل القلوب جيلاً بعد جيل، وقد جاء هذا الوهم من النظر القاصر إلى الهوى في أضيق مجالاته وأكثرها تهافتاً، وغاب عن الناقدين أن الحياة بأكملها لذوي الطموح والجموح والمواهب العالية هي الهوى يُستطار إليه على جواد غير غرّ، أو في رمح لا يروى، أو على شفرتي سيف يقد المفاصل قدا، وما عبور الصحاري وصعود الجبال وقطع الفيافي تحت أقمار الليالي وفي ظلامها وفي رائعة النهار وشواظها سوى المجاهدة العظمى لنيل الهوى وجائزته الأسنى. وليس عندي شك أن أبي الطيب و- هو يطير “على قلق كأن الريح تحتي” – كان يغفو على نظرة إعجاب يحتازها وحيداً مستلذاً بها، عاقداً العزم على أن يكون في المكان الذي يراه لائقاً بها، فإن لم يستطع فها هي ممالك الكلمات يبنيها ويعليها ويفجرها أنهاراً كما لا يستطيع الملوك وإن استطالت بهم الممالك، وابتعدت عنهم المهالك. ولا أدري كيف جرؤ بعض الناقدين فصنفوا نسيب المتنبي على أنه مجرد مسايرة للتقليد، ومجاراة لما جرى عليه الشعراء قبله، أما محتواه فبارد العاطفة عقلاني النسيج، وهذا الحكم الفج صادرٌ عن نظر مسبق، ترجم المتنبي ترجمة كسولة غافلة عن الالتماعات الزلزالية في نسيبه الذي يجعل منه ومن شعره إحدى القمم في هذا المنحى الشديد الإيحاء، كما جعلت منه أبياته القليلة في الهجاء بين الأوائل الذين ابدعوا فن الكاريكاتير الشعري وطوروا قاموسه وأغراضه.

أبو الطيب العاشق منح العشق كبرياء الرجولة، ومنح المعشوق الإعتزاز بالعاشق غير المنكسر، على عكس ما درج عليه العذريون الذين تمحى شخوصهم لحساب المعشوق الذي يملأ المسرح يصول ويجول، وهنا تكون قصة العشق بائسة، تُلعب من طرف واحد، المتنبي المعشوق كما هو مع ممدوحيه شديد الإعتزاز بالنفس، وإن كان ثمة ما يقدح فهو أولى بكتمانه في الواقع لكي تظل شوكة الميزان محكومة، ولكنه في الشعر ينوّه به، لأن الشعر للخلود، أما قصص كل يوم فهي تحول:

بادٍ هواك صبرت أم لم تصبرا=وبكاك إن لم يجر دمعك أو جرى

أمر الفؤاد لسانه وجفونه=فكتمنه وكفى بجسمك مخبرا

حقاً إن الهوى لا يخفى، وإنما يخفى على الناس والعذال مداه، وما حزّه في القلوب الحية، وكم أعطى وأخذ، وذلك ما يبدل في النفوس فتحزن بعد الفرح، وما أكثر الحزن وما أقل الفرح، الفرح مكثف والحزن مديد يحفر القروح ويؤرقها، فتعمّر في سويداء صاحبها لا يشتريها منه أحد، وفقاً للشاعر الذي تلاشى حبه وتمادت جروحه:

ولي كبدٌ مقروحة من يبيعني=بها كبداً ليست بذات قروح

أباها عليّ الناس لا يشترونها=ومن يشتري ذا علّة بصحيح

أبو الطيب أحمد بن الحسين تماهى مع المحبوبة من سماء عالية تأبى الشكوى المستسلمة أو المعترفة بالهزيمة، وذلك ما يتسق مع شخصيته تماماً.

لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي=وللحب ما لم يبق مني وما بقي

وما كنت ممن يدخل العشق قلبه=ولكن من يبصر جفونك يعشق

وبين الرضا والسخط والقرب والنوى=مجالٌ لدمع المقلة المترقرق

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s