شذرات

(1)
كان يجلس على يميني مثقلاً بالايام الخوالي ومعاناة اشعال النيران في اللغة الميتة، وكان بحاجة الى لمسة حنان لا يستطيع طلبها، فيما المرأة – الجالسة الى يساري مثقلة بالرغبة الخانقة في ان يقول قصيدة في حسنها وحزنها؟
تدخرها لليالي الأرق، فلا هي قدمت له الحنان المطلوب ولا هو قدم لها القصيدة المنتظرة ، لأنهما لم يفهما لغة بعضهما، وربما لن يتقابلا ثانية في مثل هذا المناخ الواعد الذي احبط للتو، لافتقادهما للشجاعة المطلوبة بجانب اللغة، لن اغفر لهما ذلك.. لن اغفر لهما.. كلاهما خسر الحرب دون معركة..

(2)
في العلاقات الملتبسة بين النساء والرجال يحرم التطابق ويشرّع التوافق الى حين: المرأة كائن استلابي متحين للحظات الضعف والرجل كآئن انهزامي متحين للحظات الهروب، إذاً المرأة منقضة في ضعفها والرجل – مع الاسف – ماذا اقول؟ هل هي من السنن؟ القوة نسيج الضعف، والضعف نسيج القوة.. الى كم ذا التمادي في التمادي؟

(3)
كان مذعوراً في كعب الباص المتأهب للرحيل، فيما البرق يدوّي والامطار تهمي، حييته من بعيد، وبالكاد التقظ بعض المعنى، فرجاني دون ان يقول او ينبس ، بأن الوقت غير ملائم لا للسلام ولا للكلام، تراجعت وشعرت بأنه قد فكّ خناقي الذي كان مشدوداً ، واعتبرت ذلك سداداً لدين لم استدنه، وحين علمت ان الحافلة تدحرجت في الجبل الشاهق، قلت لمحدثي: لم يكن ذلك سوى مشهد تمثيلي في مسرحية الحياة التي تبكينا وتضحكنا جميعاً شجعاناً ومذعورين، والامر يومئذٍ لله.
علينا دائماً ان نحاول بقدر الامكان ونفاذ البصيرة إدراك الوقت الذي تبدأ فيه صخور الامان التقلقل إنذاراً بالتدحرج الحتمي، تأسياً بالشاعر العاشق الذي قتله الحنين الى شميم عرار نجد ولما يزل في عبقه يسبح:
تمتع من شميم عرار نجدٍ
فما بعدَ العشيّة من عرار
لقد أدرك هذا المسكون بالحب أن مقصلة الوقت المعلقة على رقاب الجميع قد آذنت بالحركة ، كما ادرك المتنبي قبله او بعده – لا ادري – ان اسئلة الطريق تشوق للضوء في نهاية الطريق وليست بكاء على ضوء سلف، وتلاشى رحيلاً:
قد سألنا – ونحن أدرى – بنجدٍ
أطويلٌ طريقنا أم يطولُ
وكثيرٌ من السؤال اشتياقٌ
وكثيرٌ من ردّه تعليلُ
ليت «أبو محسّد» عاش وعايش وقتنا هذا حيث السؤال بلا اشتياق ولا اجابة، والتعليل بلا كياسة ولا حذاقة، والطريق يطول ، يطول حتى يغفو ساريه فيجد نفسه في بطن وحش فيندم ندامة الكسعي كما ندم النبي يونس في ظلمات عجر وبجر الحوت الهائم في المحيط:
ندمتُ ندامة الكسعي لماّ
غدت مني مطلقة نوارٌ
دقق وقتك، ولا تركن الى ما تأمن، فالصخرة المتقلقة في علاقتك بنفسك او بمن تحب او حتى بزمانك الوهمي تتعرض للنحر على مدار والحتَّ الساعة وتنبه لموسم المطر في العواطف فربما كانت اخطر من الجفاف فهي التي تسحب الاتربة من تحت الصخور فتودي بها الى التهلكة:
تشكو من الدنيا وهل من معشر
جمعتهم الدنيا ولم يتفرقوا
هذا البيت سمعته من يتيم ماربي في مدرسة الشيخ سعيد احمد لوتاه في دبي فطفرت الدمعة من عيني وانا اقول له: بدري عليك با بن الثامنة..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s