أمجاد يا عرب أمجاد…!!

كثّر الله خير الذين تجشّموا عناء الترحل من عواصمهم البعيدة من الملوك والرؤساء العرب إلى مقرن النيلين في الخرطوم النّدية حاضرة القارة السودانية المرامية التي يمكن توصيفها بعد مآسي الجنوب ودارفور وما جنته (براقش) بأنها مثل النعامة لا طيرٌ ولا جملٌ؛ وذلك لشهود مؤتمر القمة العربية التي لم تعد في العير ولا في النّفير، ولا شروى نقير، فلا هي محلّقة تعيش رغم الداء والأعداء، كالنّسر فوق القمة الشمّاء، وفقاً لأبي القاسم الشّابي، الذي استلّه الداء في عزّ شبابه، ولكن تحليقه في القمم لم يتوقف بعد أن قال كلمته ومضى، ولا هي مطلّقة، كما طلّقت نوار، فندم صاحبها ندامة الكُسحي دون أن يفيده الندم والحنين إلى العدم، أو يعيد إليه ضوء الصّباح بعد اللّيالي الملاح، وإنما هي معلقة على مشنقة يزيد بن معاوية التي نصبها لعبدالله بن الزبير في بطحاء مكة، تمر بها أمّه العجوز الصّابرة ذات النطاقين فتمنعها الكبرياء الإيمانية من أن تطلب له كرامة الدفن، بعد أن لقّحته بلقاح تجرّع الموت دون الخوف من المَثَلَةِ “وهل يضير الشاة سلخ جلدها بعد ذبحها يا ابن الزبير” فكانت بموقفها ذاك في موقف رفيق المتنبي الذي قال له والسيوف تتناوشه أو تكاد: “أتهرب وأنت القائل:

الخيل والليل والبيداء تعرفني … والسيف والرمح والقرطاس والقلم”

فأجابه أبو مُحسد: “قاتلك الله، لقد قتلتني” وعاد ليلقى حتفه هو وابنه مُحسد ورفيقه، ولتُطوى بذلك مجرّة الشعر العظمى بعد أن سقطت في ثقت أسود لا يُفلت حتى الضوء، وكذلك فإن أسماء بن أبي بكرالصديق قد رسمت “خارطة الطريق” لعبدالله بن الزبير بن العوام إلى الموت الزؤام بعبارتها التي صكّها تاريخ اللغة كأنها معلقة كُتبت بماء الذهب، لكنها حين عانت مزيج الكبرياء وحُرقة الأقوياء وهوان الضعفاء وغَلَبَة الباطل على الحق ورأت فلذة كبدها يتساقط كسفا، وهو الفارس بن الفارس المُجلّي، قالت معلّقتها الأخرى: “أما آن لهذا الفارس أن يترجّل”، وقد توجّهت بالخطاب إلى نفسها، ولكن الضمير المُستقل المتلصص على الضفة الأخرى للنهر الذي لم يحمل جثث أعدائه إلا في وقت لاحق، تلقّف هذا الطلب غير الموقّع، والذي لا يحمل تاريخاً ولا رقماً ولا إسم صاحب التاج والصولجان، وإنما كان موجّها إلى من يهمّه الأمر من الأحياء والأموات وأولئك الذين ما زالوا في الأصلاب، فخفّف عن نفسه بإنزال الهيكل العظمي ومواراته الثرى ليتوقف سيل النحيب. وكذلك نحن بسطاء العرب الذي نمشي إلى جوار الحوائط نتلفّت يمنةً ويسرةً خيفة وفزعاً من المستقبل المظلم، نوجه السؤال نفسه: “أما حان لهذه القمم أن تترجّل؟ أما آن لها أن تدفن عميقاً بعد أن أزكمتنا حروفها وجملها التي لا تعني شيئاً ولا يُنتظر منها إصداراً ولا إيراداً ولا حرباً ولا سلاماً، ولا سمناً ولا عسلاً، وإنما هي غثاءٌ أحوى، على وقع عذاباتنا يتردى، ومن أحلامنا يتغذى.

ولا ننسى ونحن نودع قمة الخرطوم الشاهقة بلا أعمدة والصّاهلة بلا حوافر أن نشكر عميقاً الملوك والرؤساء العرب الذين لم يكلّفوا أنفسهم عناء الرحيل إلى القمة في مقرن النيلين الأبيض والأسود في عاصمة السودان المثلثة (الخرطوم) فهُم بذلك قد هجروا الجدل العقيم هجراً جميلاً، وهو الذي قال عنه لقمان الحكيم في وعظه لابنه: “يا بُني إذا أراد الله بقومٍ سوءاً سلّط عليهم الجدل وقلّة العمل، يا بني: قد ندمتُ على الكلام ولم أندم على السكوت”. كما أنهم بغيابهم – وفقهم الله – قد أعفونا من التوقعات التي أثبت التاريخ أنها أضغاثُ أحلام…

و… أمجاد… يا عرب أمجاد…

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s