الجفاء ما ينفع الناس..!!

كثيرون من الأصدقاء أو ممن اعتبرهم كذلك ولست على يقين إن كانوا يعتبرونني، فالمحيط يمكن قياسه أما الإنسان فلا يسبر ولا يقاس، يلومونني على تفاؤلي فيما كتبت وأكتب، وفيما رأيت وأرى، فهم قد اتخذوا من اليأس والتيئيس تكية يرددون عليها مناجاتهم وقد أصموا آذانهم وأطبقوا أعينهم فلا يسمعون ولا يرون.

معلوماتهم قديمة وحركتهم على أرض الواقع كسيحة، وقد سألني أحدهم وهو ممن أعز واحترم وأقدر إن كان ما أكتبه لوجه الله، فقلت له هو كذلك إن شاء الله، فقال لي ألا ترى الفساد والإحباط وسوء العيش والمعاش، فقلت: نعم أرى بعضا من ذلك وأقف مشدوهاً غير مصدق أمام بعض الروايات وأفند في داخلي وبعقلي الكثير من المبالغات وأتعب أحياناً في تفحص ما يقوله البعض لوجه الحق وما يقولونه للمصلحة الشخصية والنكاية وإشاعة البلبلة قال: فلماذا لا تكتب عن ذلك قلت له: أنا أكتب في حدود الرأي البناء وأحاول دائما أن أرى النصف الممتلئ من الكأس لأنه الأفيد للناس وأرفض إشاعة اليأس لأنني أؤمن بحكمة مصطفى كامل باشا الزعيم المصري المحبوب في النصف الأول من القرن العشرين والذي كان يقول: لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس.

وقد ألهم هذا الشعار الملايين فتخلصوا من كوابيسهم التي تنغص منامهم وتلبسهم النظارات السوداء في نهارهم. زميل آخر همس في أذني: أنا أتابع كتاباتك وألهث وراءها ما بين 26سبتمبر والثورة “اليومية” والأيام، ولكنني أجد لديك أحياناً حين تكتب في الشؤون اليمنية ما يفهم منه أنه ثناء على الأداء الحكومي، قلت له: وماذا في ذلك، قال: يقلل من حجم المصداقية.

قلت: أية مصداقية تعني وبأي مقياس ولأي هدف..هل أصبحت المصداقية هي السب والثلب والتجريح الذي تقدم به بعض الصحف وبعض الكتّاب كوجبة بائتة ملّ منها الجمهور وسئمها الناس وعافتها النفوس؟ ما أسهل إطلاق الشعارات الجوفاء وما أقل تكلفتها وما أعظم خطرها، وقد خبرها شعبنا فلم يغز منها بطائل أكثر مما فاز صاحب الغراب الذي قال بعد ذلك:

ومن يكن الغراب له دليلاً
يمر به على جيف الكلاب

أما أنعم الناقدين ملمساً وذلك عن ذكاء لا ينكر فقال لي: أسلوبك جميل ورشيق وجذاب بغض النظر عن كثير من المضامين التي اختلف معك فيها. قلت له: واختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، دعونا نعبّر عن أنفسنا دون إسفاف ولا نتغنى بالديمقراطية فيما نمارس الحجر الفكري كأعلى درجات الديكتاتورية الذهنية التي لا ترى لغير ما ترى مكاناً أو قبولاً ولا من باب الاجتهاد الذي قال عنه الإمام الشافعي: أنا على حق حتى يثبت لي العكس، وغيري على باطل حتى يثبت العكس، وطبعاً هذا “العكس” في الحالتين لا بد له من التجرد عن الهوى والتنزه عن مخالفة الضمير والنأي بالنفس عن الافتراء المضلل الذي يتحول إلى عقيدة ذميمة وإلى شمولية خرجت عن جلدها الأجرب لتتخفى في جلد ذبح حديثاً وهو يسعى إلى الجرب حثيثاً لأنه لا يستطيع التمتع بالعيش بدون ذلك الحك الدامي.

الكتابة –في تقديري– مثل شوكة الميزان لا يستأهلها الذين يخسرون الوزن ويطففون في المكاييل، ومع ذلك فينبغي عليها وعلى صاحبها أن يقبلا بالمختلف وإن أساء لأن الزبد يذهب جفاء، أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s