نجوم عدن .. محمد سعد عبدالله

محمد سعد عبدالله
محمد سعد عبدالله

كان يسير خلف مواهبه اللامعة، تأخذه كما شاءت وشاء لها الهوى، زاحم النجوم، وسابق الغيوم، وأثار العواطف والأشجان، وكان ترجمان الأشواق في مدينة «ذكورية» أكثر من نصف سكانها من العزاب الذين ينوحون مع بن سعد، وهو يشعل حباً هنا ويضيّع حباً هناك، ويتطلع إلى حب ثالث فيخرج من حفرة ليقع في بئر، وفي كل الأحوال هو المبدع الكبير الذي يشبه ذلك الكائن البحري الذي تخزّه شوكة في صدفته فيكون رد فعله إفراز اللؤلؤ بهجة للناظرين وقلائد على أعناق الجميلات اللائذات بأكناف الحسن وبدائع الألحان، وسوانح الأحلام، في متاهات الزمان العدني.

كانت عدن الخمسينية والستينية تنتابها حالة من الحزن الشفيف اللاسع عقب المغربيات، حيث تعلو أصوات الأغاني في المقاهي الحسنة الإضاءة، وتمتلئ شوارع المدينة بروائح الشواء و«القلابة» الممزوجة باحتراقات البصل، وطيب الجوز في الشاي العدني: واحد «سنجل» يا وليد.. واحد دبل يا مقهوي وصلّحه، من فضلك أعطينا «باني آيس» أي كأس ماء بارد، من كلمة آيس الانجليزية و«باني» الهندية أي الماء، والعرق يتصبب من جباه الناس في الصيفيات الرطبة، بينما محمد سعد عبدالله يصيح بأعلى صوته: يا ناس .. يا ناس ردوا حبيبي.. بافيض من كثر نوحي.
وليس عندي شك أن جزءاً معتبراً من ذلك الحزن الشفيف الحارق كان من صناعة محمد سعد عبدالله يصوّبه على الهواء إلى قلوب العشاق، وخاصة أولئك الذين ينامون في الشوارع على «قعائد» الحبال المؤجرة، يتبادلون القصص حول بن سعد ومغامراته العشقية، وبعضها له أصل فيما بعضها الآخر من نسج الخيال الذي يطيب للناس إضفاؤه على من يحبون، فهم يخلقون أساطيرهم بخيالهم ومشاعرهم ولا شأن لهم بالوقائع.

محمد سعد عبدالله كان صاحب مدرسة في الغناء، غزير الإنتاج، متعدد المواهب، فهو الشاعر الملحن المؤدي، وواحد من أفضل من أدوا الغناء الصنعاني الذي كان بمثابة المختبر للأصوات الجديدة حين كانت تفتتح «المخادر» به، وهو أستاذ في فنون الغناء اليافعي واللحجي والحضرمي، إلى جانب علو كعبه في غناء عدن الجديد، وكان فناناً شاملاً يفصل الكلمات على حزنه ثم يكسوها اللحن الذي يوافق طبقته ولا يزال يعمل فيها تشذيباً وتهذيباً يستطعمها ويُسمعها لصويحباته حتى إذا ما سالت دموعه ذهب بها إلى الإذاعة، وكان يعيش حياة شبه بوهيمية مع أدبه الجم وذوبانه الذي يهيم به أمام من يعشق ويحب، وكان في الوقت نفسه متلافاً يقبض على النقود كأنه قابض على الماء يتسرب من بين أصابعه إلى غير عودة.

رحم الله بن سعد الفنان والإنسان والعاشق الكبير.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s