نجوم عدن .. فوزية غانم

fouziaGhanemكانت «فوزية غانم» كبيرة المذيعات وأقدمهن مع زميلتها فوزية عمر في نهاية الخمسينات وعقد الستينات من القرن الماضي، وحتى رحيلها إلى أرض الله الواسعة في حدود عام 1974م، حيث ألقت عصا الترحال في الولايات المتحدة الامريكية، وقد التقيتها الأسبوع الماضي في نزل «المعلا بلازا» فوزنت ضحكتها الصاخبة المليئة بالحياة والحيوية، ووجدتها كما كانت وفق معيار مجنون ليلى على لسان أحمد شوقي:

لم تزل ليلى بعيني طفلةً
لم تزد عن أمس إلا أصبعا

كانت فوزية ذلك المزيج الخطر من الموهبة والكفاءة والأنوثة الطاغية، وكانت تجيد بامتياز مزج هذه الخلطة المتفجرة، ولكنها تحكم صمامات الأمان ليبقى القريبون والمقربون منها على الصراط لا يدرون أهم من أهل اليمين أم من أهل اليسار.

ولن أنسى ذلك اليوم الذي ضربتني فيه الصاعقة في «استوديو» البرامج، وكانت فوزية غانم جالسة على الأرض كأنها «مركب الهند أبودقلين» ببياضها المشرب بحمرة الورد وشعرها الغجري المجنون وفقا لوصف نزار قباني، تقوم بضبط أجهزة التسجيل كأنها مهندسة محترفة، وبجانبها كانت تقف زينب عبدالرحمن، ضابطة الصوت الرقيقة، المكلفة بهذا العمل، ولكنها لا تستطيع مد يديها إلى أمر تتولاه «المعلمة» ذات الهيبة المخيفة، وفي زاوية الاستوديو كان يقف أستاذنا الشاعر الكبير المرحوم محمد سعيد جرادة، يتأمل كأنه في معبد، حتى أنني ظننته يستعيد ويردد في خاطره مطلع أغنيته الشهيرة، التي غناها المرشدي وكانت حديث الناس: «هي وقفة لي لست أنسى ذكرها .. انا والحبيب .. في ليلة رقصت من الأضواء في ثوب قشيب».

المهم وقع المحظور لتضربني الصاعقة حين قلت لزينب عبدالرحمن :
«ساعدي عمتك فوزية بدل ما أنت واقفة تتفرجين»، فإذا بفوزية تطير عن الأرض برشاقة عصفور لتصرخ وأصبعها يكاد يخترق عيني: «عمتك في عينك يا أعمى»، وقد بهت لهذه الغضبة المضرية غير المتوقعة، فلم أجد جواباً، وأخذ الاستاذ جرادة يقهقه بانتشاء وهو يزيد الطين بله بقوله لي: «تعلّم كيف تعامل النساء يا أهبل» ثم يضيف بمكر: فوزية لن تكون عمة ولو بعد مئة عام»، وقد أرضاها تحبب الجرادة الغزل، فرسمت ابتسامة «عفا الله عما سلف» وعادت إلى عملها الهندسي.
وقد ظل الجرادة لسنين طويلة كلما التقاني يضحك وهو يسألني :
أيوه يابن النقيب، كيف حال عمتك فوزية؟ فأرد عليه بقول المتنبي:
ولو كان النساء كمن عرفنا
لفضلت النساء على الرجال
كانت إشراقتها بالفصحى بليغة، وقرارها عميقا، وما كان لها أن تكون غير ذلك، فقد جبلت على الفرادة بكبرياء ترفض الضعف، وكان تأثيرها على المستمعين لا يقل عن تأثيرها على المحيطين، فهي تتذوق اللغة قبل أن تنطقها وتستنطق المعنى قبل توصيله، يساعدها على ذلك ثقافة أخذت من كل فن بطرف، وكان جميع المترددين على الإذاعة من البلغاء الجهابدة والمعلمين الأساتذة يعمقون لديها هذا الإحساس، فتزداد ترفاً على ترف، وقد أولاها الأستاذ حسين الصافي، أشهر مدير لإذاعة عدن عناية خاصة صقلتها كما تصقل الزمردة على يد جواهرجي خبير.
كان صديقي المتفنن في استكشاف ينابيع الجمال يصفها بـ «كرمة الله» وكلما سمع وقع خطواتها وصليل أجراسها في أروقة الإذاعة الحالمة على بحر التواهي يقول لي: أنا في ذمتك يابن النقيب أن تطبق علي وصية أبو محجن الثقفي:
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة                  تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفنني في الفلاة فإنني                      أخاف إذا ما مت ألا أذوقها
تحية لنجمة النجمات فوزية غانم.. وقل للزمان ارجع يا زمان.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s