سليمان العيسى – زراع المحبة

سليمان العيسى
سليمان العيسى

في تكريمه للشاعر المناضل الأرق من نسمة والاقطع من سيف سليمان العيسى كرم الرئيس علي عبدالله صالح كل اليمنيين في شخص سليمان، وفي مواقفه وفي ابداعه وفي حبه للوطن – المهد – اليمن الذي وهبه خمسة عشرعاماً من حياته وخمسة دواوين من سلاف الشعر الذي استوحاه من الانسان والتاريخ والطبيعة ومن ينابيع الحب في وجدانه المنذورللقرابين القومية والاحلام المنسية ومزاميرالزمن الذي ولى مخلفا الحنين، ومن تلك الغصة التي لا تنتهي حين نشاهد الشمس كل صباح ولا نستطيع ان نأتي منها بقبس بينما اكثيرة أمم الارض تستنيرباقباس واقباس من المعرفة التي تتحول الى قوة ومهابة ومشاركة في صناعة الحضارة التي تجلجل عرباتها صعداً نحو النجوم فيما اجراسها تملأ الدنيا أنغاماً لمجد الانسان.

نعم.. سيدي الرئيس: لقد كرمتنا جميعا في ملكوت سليمان العيسى حيث الطفولة السعيدة والأرض الخضراء ومزارع الاحلام وفتوحات الشعرالبهية والنجوم التي تقطف باليد، والسلسبيل الذي يتدفق من ينابيع لا تغور، فما من احدٍ لم يذق قدراً من السعادة، أو يتزود بنفحة من القوة من شعر هذه القامة العروبية السامقة والموهبة العذبة التي لم ينل منها الزمن وانما عتقها في جراره لتكون لذة للشاربين ومعلماً للموهوبين ونجما للسارين والمدلجين.

قليلون هم الذين يهبون حياتهم لقضية لا يحيدون عن تجلياتها ولا يتكسبون من ورائها ولا يمنون على الناس بما وهبوا حتى ليجعلوا منتهم نيراً على الاعناق، وسليمان العيسى بين صفوة القلة القليلة هذه وحين جاء إلى المهد – اليمن التي قال الرئيس علي عبدالله صالح عنها إنها ستظل وطنا لكل العرب باعتبارها موطنهم الاول ومنبع العروبة، لم يأت مهاجراً لدنيا يتطلبها، وانما جاء حنيناً دفاقا الى بيته القديم تحت عرائش الاعناب وفي ظلال الاهداب وعلى اجنحة الغيوم التي تجوب جبالنا والامواج التي تدغدغ شواطئنا والاقمار التي تضيء صحراءنا جاء سليمان الى اليمن اغنية موشاة بالمحبة ومعلما يحمل هو ورفيقة عمره الدكتورة ملكة ابيض مشاعل التنوير لينضما بدون استئذان إلى مواكب الحالمين بغدٍ اجمل دون انتظار مقابل: «يعرف الجميع أني لم انتظر في حياتي مكافأة على ما كتبت لليمن أو لسورية أو للعراق أو للجزائز أو لفلسطين، أو لاية بقعة عربية انتمي إليها.. هذا الوطن العربي كله عندي جسد واحد، وأنا خلية في هذا الجسد ليس إلا:
حسب لحنٍ ينتهي في وتري
أنه في صدر غيري يبدأ»

شكًرا سيدي الرئيس فوسام «الوحدة» الذي وهبته للشاعر الكبير باسم اليمن واليمنيين كان استثناءً رائعاً ليحلق الوسام في سماوات زرقاء تتعايش فيها الصقور والحمائم والعصافير في دنيا الشعر الواسعة وما سليمان العيسى سوى رسام مبدع يرسم بالكلمات لعل الناس يرتقون الى احلامهم ويكونون انفسهم النورانية لا الترابية وهو بذلك يبز الساحرالذي يدهش الناس بما لا يرى، وإن من البيان لسحرا.
لقد نبهني الى مراسم التكريم الصديق خالد الرويشان وكان متأثرا للغاية بلمسة الوفاء التي وافقت الذكرى الخامسة والثمانين لميلاد الاستاذ سليمان العيسى -اطال الله عمره- فقلت له إنها بادرة جميلة على هذا المستوى الرفيع، فاجاب: إنها مبادرة الرئيس شخصيا فهو على معرفة بالاستاذ سليمان وأدبه ومقامه وما أسداه لليمن والأمة من عطاء ليس له حدود..

تحية للسيد الرئيس وللأستاذ سليمان، ولكل زارع المحبة في وطننا.


النسر الأسمر..
28 يوليو-تموز 2005

كتبت الاسبوع قبل الماضي حول تقليد الرئيس علي عبدالله صالح للشاعر العربي الكبير سليمان العيسى وسام «الوحدة» الذي يعد أرفع الأوسمة في بلدنا والذي يمنح عادة لرؤساء الدول، وقلت إنه قد كرّمنا جميعاً بذلك الوسام لأنه عبَّر عن عميق مشاعرنا كوطن لكل العرب كما عبّر فخامة الرئيس بحق، وفي وقت تتقوقع فيه كثير من أقطار العرب على ذواتها كمن حاز غنيمة يريد ان ينفرد بها لوحده تفرد اليمن جناحيها التاريخيين وأصالتها الذهبية كما عبَّر أحد حداتها في مسيرة الحب «لوخيروني باختار الذهب.. الناس في الدنيا معادن» وكذلك الاوطان والقيادات، ثم من بين قامات العرب الشعرية ارق قلباً وألين فؤاداً من استاذنا سليمان العيسى؟ الذي يعلم الف باء القومية العربية وأبجدية الثقافة العربية الواحدة منذ نعومة أظفاره ولما يتجاوز الثانية عشرة من عمره ونيف واليوم على الخامسة والثمانين من عمره المديد بإذن الله ولايزال يصدح على أيكة العروبة التي تتسلخ اغصانها اليوم تحت ضغط سيل العرم القادم من الغرب ومن الشرق ومن دواخلنا، كما يتسلخ جلد ذي القروح، الذي كان اشهر من ابتلى بها «القروح» عميد شعراء الأمة العربية امرؤ القيس الكندي، نعم من كسليمان العيسى نقاء طفولة، وشموخ رجولة وبوح عاشق، لكأن اليمن أمة يخصها بالمناجاة ويغرقها بالحب المتفائل، ويبكيها ان لمس استعصاء كذي جدن النواحة، لكأنه نبع ماء يصب وادي بنا!
أوتنهيدة معماري مبدع نزلها للزمن على شرفة «مفرج» في صنعاء، أو موجة حب قادمة من أقاصي الارض لتطبع قبلة على شواطئ عدن أو غصن تحد بديع يشق طريقه من قلب صخرة معلقة في أعالي جبل صبر في تعز التي هام بها طويلاً.
كنت أعرف حين كتبت وقبل أن أكتب أننا كيمنيين نحب سليمان العيسى ونقدره ونعتز برحلتيه للشتاء والصيف بين اليمن والشام واننا نطرب لما يصدر عنه ونطرب اكثر لما لم يصدر وسوف يصدر فأجمل ايامنا معه لم نعشها بعد كما يقول الشاعر التركي الكبير ناظم حكمت، وكنا قد احلنا منذ زمن قوام مشاعرنا وسواقي محبتنا الى قلب استاذنا عبدالعزيز المقالح أعظم سفير للمحبة بين اليمن ومبدعي العرب حتى ارهقناه من امره عسرا، وهومن ينطبق عليه قول الشنفرة: اقسمّ جسمي في جسوم كثيرة الخ… ولاحظت مؤخراً أن الاستاذ خالد الرويشان وزير الثقافة والسياحة قد أخذ بطرف الحمل الثقيل وضم كتفه الى كتف الاستاذ عبدالعزيز، تطبيقاً للمثل الشعبي اليمني «عشرة شلوا جمل.. والجمل ما شلهم» ولكنهما مع الاستاذ سليمان قيمة وقامة فكّراً بكتف الرئيس فكان اسبق منهما: طرائقه للمجد أعلى وارحب..
كنت قد تسلمت رسالة من باريس من صديقي محمد عبدالودود طارش وفيها: عندما شاهدت فخامة الرئيس عبر الفضائية وهو يمنح الشاعر الكبير سليمان العيسى وسام الوحدة، بكيت وذرفت الدموع مدرارا، حتى تساءل افراد اسرتي عن علاقتي بسليمان العيسى وحينما قرأت عمودك «زراع المحبة» حول تكريم الرئيس للشاعر المناضل الأرق، ذرفت المزيد من الدموع تأثراً بما خطه القلم الرشيق لأجمل وأحلى زارعين للمحبة في وطننا وفي قاهرة المعز كنت وغيري من الشباب في ذروة المد القومي لانقول: «انا من اليمن.. بل نقول أناعربي من اليمن» وكان ذلك بعض تأثيرات سليمان العيسى في الاجواء الطلابية، ونحفظ آنذاك بيته الشهير.

سمراء صحرائي ونسري أسمر
والويل للعملاء حين تزمجر

ثم جاء انفصال مصر وسوريا وماتبعه من تداعيات وكان نقد الاستاذ سليمان قصيدة مبكية باكية موجهة للنسر ومطلعها: «صفقت لك.. صفقت لك.. يارائع الوثبات صفقت لك» وكنا نرددها ونحن نسير مطأطيء الرؤوس على ضفاف نهر النيل الخالد، ويواصل الاستاذ محمد عبدالودود طارش: «هذا هو سليمان العيسى الذي لم أره في حياتي إلاَّ مرة في مأدبة غداء في منزل عبدالكريم عبدالاله في تعز، وكان من حسن حظي انني كنت بجانبه وعرفته بنفسي، ولكن الوقت كان ضيقاً فلم اشبع من الحديث اليه، والمرة الثانية كانت قبل عامين ونيف وقد شاهدته يسير على قدميه بمنطقة «الكامب» بتعز فعرضت توصيله، فشكرني قائلاً انه يريد مواصلة المشي، وندمت بعد ذلك لأني لم ألح عليه فيكون لي شرف مصاحبته واستضافته، اما المرة الأخيرة فهي حين شاهدت واسرتي النسر اليمني الأسمر يقلده وسام الوحدة.

كم من آلاف اليمنيين مثل محمد عبدالودود يحسدون أنفسهم لأن الحظ حالفهم فشاهدوا الاستاذ سليمان العيسى، لذلك اكرر ان فخامة الرئيس كرمنا جميعاً بتكريم الشاعر الكبير.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s