سميحة خريس… الإبداع والمعاناة

سميحة خريس
سميحة خريس

في إطار الفعاليات الثقافية على هامش معرض الكتاب في أبوظبي، ألقت المبدعة الأردنية السيدة/ سميحة خريس محاضرة عن تجربتها مع العمل اروائي عبر ثمان روايات صدرت واثنتين تحت الإنجاز. وقد تمكنت من الإحاطة بهذا الموضوع المتشعّب ابتداء من رؤيتها لاختيار عناوين رواياتها، وانتهاءً بحوارها للتاريخ والمجتمع والنفس. وأعقب المحاضرة الممتعة حوارٌ ثري سلّط أضواء على محاور جديدة في معاناة الإبداع الروائي، كما تطرّق إلى ملابسيات النشر الذي يبدو أنه يمر بعنق الزجاجة في الوطن العربي، إضافة إلى معوّقات الترجمة إلى اللغات العالمية، وكذلك تحويل الأعمال الروائية إلى إبداعات مرئية ومسموعة عبر كتابة السيناريو الذي مارسته المؤلفة، ولها باعٌ فيه، والسيناريو كما نعلم هو عمل رفيع يطّلع المؤلف من خلاله – إذا مارسه بنفسه – على مقدار الزّبدة التي تتأتّى من اللبن المخضوض إذا صحّ التعبير، فكأنه يقوم بتشريح عمله على طاولة عمليات، الأمر الذي قد يعيد ترتيب الأولويات الروائية في ذهنه، فيستغني عن الزبد الذي يذهب جفاء، ويبقي ما ينفع القراء في صلب عمله الروائي القادم.

سميحة خريس اجتذبها العمل الروائي كما تنجذب الفراشة إلى مصدر الضوء، تدرجت فيه رقياً أسلوباً وثقافة وبحثاً، وقد قدم اثنان من ناشريها شهادة على تميّز أعمالها، وغزارة مرجعياتها الكتابية، وأصالة تناولاتها خارج السائدة والمألوف، كما أثنيا على رقي العلاقة بينها وبين ناشريها، ولا أدري إن كان الجزء الأخير من الشهادة لها أم عليها، فالناشر إذا أثنى على المؤلف في أيامنها هذه فهذا قد يعني قبول الأخير بلا شيء، ونحن هنا لا ننحي باللائمة على الناشرين الذين أصبحوا أهدافا للرماة، ولكن الأمر له علاقة بالقارئ، وبسوق الكتاب، وبهذا الجسد العربي الذي يحمل على كاهله ربع مليار من البشر لا يستوعبون خمسة آلاف نسخة من أي عمل جيد، وطبعاً هذا المبحث سيقودنا عميقاً طبقة تلو أخرى حتى نصل إلى مجمل الوضع العربي في جذوره المهترئة التي توشك أن تتقوض لعل الله تعالى أن يجعل للكتاب والكتّاب ولنا جميعاً مخرجاً من هذه الميلودراما التي تضحك الأرامل على حد تعبير المتنبي وهو يصف كافور الإخشيدي.

تحدثت سميحة عن لعبتها مع التاريخ والمؤرخين في روايتها (القرمية)، وكيف أن هذا التاريخ “الأعور” ينبغي الوقوف منه بحذر دون الافتئات عليه، فما كل ما يُكتب يصيب الهدف، ولا كل ما يقال بريء من التحيّز وربّما التزوير. والرواية تدور حول الثورة العربية الكبرى، ودور بدو جنوب الأردن فيها، وهم الذين قدّموا دمائهم وأرواحهم وصولاً إلى دمشق، ولكن البطولات ذهبت إلى غيرهم، بمنطق التاريخ “الأعور”.

تحدثت أيضاً عن الاستلهامات الروائية التي تأتي من حيث نحتسب ولا تحتسب، وكيف أن روايتها (دفاتر الطوفان) عن دينة عمّان قد استلهمتها من دفتر حسابات لتاجر في الثلاثينات من القرن الماضي، وكانت عمّان لم تزل صبيّة لم تكمل عامها السابع عشر، وقد أثرت أن تنطق الأشياء المسجلة في الدفتر كشاهد على حياة البشر، ونمو النسيج الاجتماعي، والعادات والتقاليد المدينية، وهي على كل حال رواية غرائبية ممتعة، تحاول أن تخفي المجهود الضخم الذي يقف خلف بنائيتها.

(شجرة الفهود) هي العمل الروائي الذي استقطب الأضواء، وشكّل علامة تحوّل فاصلة بين الهواية والإحتراف، بين النظرة السريعة وعمق الرؤية، بين الإنسياب وبين التعقيد البنائي، بين الخيال البسيط انطلاقاً من الذات، وبين الغوص في الحياة والمجتمع ممزوجين بالذات الواعية، وقد أطبقت هذه الرواية طويلاً على أنفاس الكاتبة حتى تخلصت من سطوتها في أعمال لاحقة، وهذه تجربة يمر بها أي مبدع تجاه أي عمل ناجح يقيسه الناس والنقاد عليه، تماماً مثل أولئك النجوم في السينما الذين يقيدهم المخرجون بدور واحد ينتظره الناس منهم.

قام أحد الحضور وتحدث عن أول معرفته بإبداع سميحة من خلال قصة قصيرة إسمها (عزفٌ منفرد على وتر مقطوع)، وقال أنها أبكته مرة ومرتين فقرر أن لا يقرأها ثالثة، وكان ذلك أحسن تقريض من قارئ لكاتب.

كانت أمسية شيّقة، وكان للكاتبة السيدة/ سميحة خريس حضورٌ مدهش في ردودها الإرتجالية الرصينة والمحكمة، وفي نصها المكتوب بعناية ومقاربات صادقة لا تخلو من مكر الكتابة المحبب، حيث يسير الكاتب بين حقول ألغام بين ما يقال وما لا يُقال، وما هو بين السطور، مثلما قيل: “إنك تستطيع أن تقيس عمق المحيط ولكنك لا تستطيع قياس عمق النفس البشرية”، ولكننا في كل الأحوال كسبنا مع المحاضرة هذه الأمسية الثقافي التي نحمدها للمجمع الثقافي.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s