أحمد زكي

أحمد زكي
أحمد زكي

أحمد زكي… رحيل الفتى…

جاء من الألم إلى الألم، ثم رحل على ظهر فرس من أحزان ومعاناة الفصل الأخير من مسرحية الحياة التي أسدلت ستائرها على جلال الموت وفجائعيته تحت أنظار الناس من المحيط إلى الخليج، حيث خيط من الدمع يأسر ملايين النفوس التي صلّت من أجله ودعت له وهو يصارع السرطان بكبرياء نبيلة.

جاء أحمد زكي من ألم الفقر والتيتّم منذ الميلاد، وزواج الأم التي لم تر وليدها بعد ذلك، ويقال أنها اتصلت به وهو في النزع الأخير، تمنحه رضاها عنه، ولم تسأله ربما كيف رضاه عنها، فمن أمور الحياة وشؤون وشجون الناس ما يُغتفر ومنا ما لا يُغتفر، وإن غَفر أمام بوّابات الموت حيث يتجه الإنسان بكليته إلى عالم الغيب ماسحاً من ذاكرته عالم الشهادة الذي يوشك على مغادرته بلا عودة.

من معاناة اليتم الذي يشيّد خزانات الدموع في قلوب الأطفال ثم يجففها في عملية تصحير حارقة، رحل أحمد زكي من اللاشيئية إلى النجومية حيث نسي كيف يبكي أو يغصّ إلا تمثيلاً في الأفلام، وكان يكره أكثر ما يكره كلمة وفعل “الشفقة”، أبكته دهراً، وقد ظل الفتى الأسمر منذ بزوغ نجمه في السبعينات ينحت تمثال الكبرياء، ويجسّد عصامية إبداع الذات، وينظم تدفق نظرات المعجبين والمعجبات ليقول لطفولته: “كفى… إرحلي… من داخلي”.
وقد قضى النجم الكبير – الذي أسعد الناس بعبقريته الفنية – الثمانية عشر عاماً الأخيرة مقيماً في فندق، وحيداً إلا من أحلام اليقظة وساعات العمل المضنية التي يرسم عبرها صورته التي ستبقى بعد أن يرحل، وقد عبّرت تلك “الوحشة” الفندقية عن غربته واغترابه، وكانت كل إيراداته تحوّل إلى الفندق، كأنه سائح عابر أودع الخزينة نقوده وأوراقه الثبوتيه ثم ذهب إلى الكافيتريا ليشرب فنجان قهوة بانتظار اتصال تلفوني يدعوه إلى المطار حين تكون الطائرة موشكة على الإقلاع.
بزغ نجمه في السبعينات، وهي من سنوات الإلتباس عقب سنوات الآلام في نهاية الستينات، وكان الفتى على قدر من الثقافة الجيدة، والإهتمام بالشأن العام، والتواصل مع النخبة القاهرية التي غاصت بها هزيمة 1967 إلى الأعماق، البعيدة حيث لا ضوء ولا أوكسجين، ثم طفت إلى السطح في حرب اكتوبر 1973 مع بشائر النصر، ولكن اختراق الدفرسوار ومحادثات الكيلو 101 وصولاً إلى كامب ديفيد الذي وعد بأن تمطر السماء ذهباً، ثم أخلف وعده، وجعل النفوس في حيرة من شأنها وشأن عدوّها، وشأن مستقبل أجيالها. وقد صبّت كثير من أعمال أحمد زكي في هذا التفتيش الدائم عن النفس والنهج والصواب والخطأ، وصناعة الأبطال، ثم هدم تماثيلهم ابتداء من مدرسة المشاغبين وحتى ناصر 56 والسادات.
لقد أدرك أحمد زكي – وبوعي – أن الفن الراقي يمكن أن يكون نقطة التقاء المجتمع، ومكان التصالح مع الذات، وأن الفنان ليس له أن يُتّهم أو يُبرّأ أو يزكىّ أو يخوّن، وإنما عليه أن يجسّد ويعيد صياغة الحدث ضمن رؤية، ويترك الباقي للناس وللزمن…
الآن رحل الفتى وقد أكمل أسطورته، له الرحمة ولجميع محبيه السلوان.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s