ذكريات من صنعاء (16) الأستاذ النعمان- الوجه الآخر

أحمد محمد نعمان
أحمد محمد نعمان

قليلون جداً الذين عرفوا رائد الحركة الوطنية اليمنية الأستاذ احمد محمد نعمان بعمق، ولا أدعي أنني واحد من هؤلاء ، فما أنا إلا كحاطب ليلٍ في وديانه الفسيحة المليئة بأحراج الفكر وشواهد التأمل وإلماعات الفلسفة وقطوف الآداب وإرهاقات الشك الوجودي، ونتوءات الواقع غير الموالي وفي تقديري ان السياسة بمعناها المباشر لم تكن سوى منبر يرتقيه لحيظات ثم لا يلبث ان ينصرف عنه الى ماهو أشد لصوقا بوجدانه، ولطالما شعرت في لقاءاتي القليلة به أنني أمام سمت فيلسوف لا أمام سمت سياسي حاكم أو متطلع، ومن يقرأ اول رسالة للشهيد الزبيري أرسلها للمجاهد جازم الحروي عقب انفلاتهما من تعز الى عدن في ظل احداق الخطر وتجهم الأرض والسماء سيراوده مثل هذا الشعور، لأن الأستاذ في هذه المرحلة تحت عدسة المتنبي «كأنك في جفن الردى وهو نائم» ومع ذلك فإن نومته الهنية لم تكن نومة «أهل الكهف» وإنما نومة الذئب، فحين عجز الزبيري عن إبراز هويته في الحدود الشطرية سرعان ما أخرج الاستاذ جوازاً مصرياً فعبر بسلامة الله وحفظه، بينما جرى احتجاز الزبيري حتى جاءه الفرج من عدن بتدبير الاستاذ.

الوجه الآخر للأستاذ هو ذلك التهكم اللاذع اللابس مخامل الأدب و«دساميل» الشعر وتفكه الحكماء الذين يخترقون الحجب ، ولايذودون الطير عن الشجر التي خبروا مرارتها، وهم يرون بحق أن «كل التصانيف لاتخلو من الكدر»، وحين زرته في القصر الجمهوري بصنعاء وسألني عن الحال والأحوال لدى سكان الشطر الآخر من النهر الذي سبحت منه، كنت أرد عليه بإبهام ، فأخذ يردد :«أخاف على فخارتي ان تكسرا مشيراً الى رأسه ورأسي ، وأضاف : مفعول القيود سيظل يعمل حتى بعد فكها ، ولكن الى حين .
ذكرني زميلي الدكتور محمد هرهرة استاذ الأمراض الجلدية والتجميل الشهير بمدينة تعز الغراء ببيتين من الشعر كتبهما الأستاذ على باب شقته بالقاهرة في سنوات القحط العجاف، حيث لم يكن الطلاب والزائرون يميزون بين الزعامة والوجاهة والقدرات المالية، وكان الجميع يلوذون بالجميع لعبور الوجبات الثلاث والإهتداء الى منامة هادئة مجانية، وكان نصيب الاستاذ من ذلك الطوفان مالايعصمه من جبل من المال، فكيف إذا كان بحوزته لا يسد رمقه، وكيف له ان يفهم كل واحد إن تجاوز الحال من المحال، وأن على الجميع ان يدعوا في الأسحار على الإمام الذي وضع اليمنيين في ذلك الوضع المهين ، لعل الله أن يجعل لهم مخرجاً، اما البيتان فهما:
لاتكن ضيفاً ثقيلاً .. يكره الناس لقاءك
إن في الفندق مأواك.. وفي المقهى غذاءك
وفهم المعنيون الرسالة على مضض وربما سأل الأستاذ بعض «المدعممين» حسب التعبير الصنعاني الظريف إذا كانوا قد قرأوا «النوتيس» المعلق ، وهي كلمة انجليزية شائعة في عدن ومعناها «الإنذار.. وكان الأستاذ عاشقاً للتوليد والتفذلك وخاصة في بحر اللغة العربية او من طرائف الأستاذ تبكيته لطلاب الكليات الأدبية، وقد كان تسعون في المائة من الطلاب اليمنيين يتجهون اليها لضعف تحصيلهم العلمي في التعليم العام، فقال أن طالباً يمنياً صرف عليه ابوه دم قلبه حتى باع البقرة والثور، وحين عاد اليه سأله عن الشهادة التي حصل عليها فأجابه: الفلسفة ، قال الأب وماهي الفلسفة يا«ضماري» وروح روحي، فأراد الأبن الضال ان يقرب الموضوع الى ذهن والده ووالدته وكان قد ذبحا له آخر دجاجة في المدج ،فقال :شوف يابه هذه الدجاجة انت تراها واحدة وامي كذلك وانا مثلكما وبالنتيجة الفلسفية هي اربع دجاجات، ذهل الاب فسأله فرحاً واين هي الأربع، قال في رؤوسنا قال الأب هكذا يابن الكلب، قم لعنة الله عليك كل الدجاج الثلاث التي في رؤوسنا وخلي الدجاجة لي ولأمك يا غبني على الثور والبقرة..
رحم الله الاستاذ النعمان وطيب الله ثراه الطاهر فقد كان أمة في رجل.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s