ذكريات من صنعاء (12) عبدالله سلام ناجي

عبدالله سلام ناجي
عبدالله سلام ناجي

الشاعر الكبير الراحل عبدالله سلام ناجي كتب قصائده الاخيرة بمواويل من الحزن الصامت البليغ الدمع، ولم يكن امامه من حل سوى الرحيل الى القرية التي حملها في داخله حيثما ارتحل وحل، الى العجوز جدته التي سكنها قبل ان تسكنه، وكان يجيب على اسئلتها بالتخاطر وبالخضوع الواجب، فما من صدر غير صدرها يمكنه البكاء عليه والافاضة في الاحزان والافراح.

ياجدتي انا بخير       انا بخير وعافية
وما الشجن الا عليك        دع البنيَّة الغالية
جدة عبدالله سلام ناجي تذكرنا بجدة ابي الطيب المتنبي التي أخذت تقرأ وتعيد رسالته، حتى انطفأ نور عينيها وغادرت الحياة.
اتاها كتابي بعد نأى ولوعة                    فماتت سروراً بي ومت بها هماً
لكأن فرحة جدته به هي الجائزة الكبرى في هذه الحياة، لأنها هي التي ربت الحلم في داخله، وهي التي جعلت عالمه رؤية شعرية، وهي التي قامرت وغامرت لإطلاق هذا الحصان الجميل المسمى عبدالله سلام ناجي وتحدت بذلك كل عقارب وحنشان الظلام .
ياجدتي امس العشي                     قبصني حرَّابي حقير

سلامتك يابن سلام من كل شر، وقدرك الاعمى هو مرادعة الحراريب ولذلك كان رأسك الصليب مشدخاً والبركان الذي اردت به تفجير العالم فجرك واقتادك الى حتفك المضيء في القرية المنسية التي تجري من تحتها انهار وجدتك.
آخر مرة شاهدت فيها عبدالله سلام ناجي كانت في دار الحمد بصنعاء اثناء مؤتمر لاتحاد الادباء والكتاب اليمنيين واقول شاهدته لانه كان قد اعتزل الناس تقريبا، وهو اعتزال من ذلك النوع القاطع الذي لا يسمح لاحد بمقاربته، وكان هناك تواطؤ من اصدقائه بتركه في حال نفسه مع احاطته بقدر كبير من الحنان غير المرئي، وحدي كنت غير متواطيء لانني خارج السرب وفدت كما تفد الطيور المهاجرة، فاقبلت عليه بالاحضان وامطرته بالقبلات ، واظنه تفهم غربتي، وهو الغريب في ثقافته وشاعريته وفي سكنه ونفسه، فانصرف دون ان بنبس ببنت شفه ولكن الرسالة وصلت.
رأيته بعد ذلك في المقيل وقد اعتصب «الكشيدة» وانتبذ مكاناً قصياً، وقد خزن تخزينة مودع الجلسة المتحفزة والنظرات المراشة بسهام الاحاديث التي لم تقل، وطقوس استنطاق اغصان القات والحنو عليها (حنو المرضعات على الفطيم) هكذا انت دائماً يابن سلام ولم يبق الا ان تنطق وتذكرنا بصراحة النحات العالمي (مايكل انجلو) بعد ان ابدع تمثال موسى ففتن به فاستعطفه صارخا: أنطق.
الآن تعود الى نظراته تقول لي : ألم تفهم؟
كان قد اتخذ قراره بالرحيل ولم يبق سوى اختيار الشرفة التي سيطير منها الى السهول الخضراء البعيدة .
نتذكرك بكل الحب ايها النقي الذي لم تحتمل التلوث .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s