ذكريات من صنعاء (1)

هزّني الشوق لارتياد أجزاء من صنعاء القديمة عَلِقت بالذاكرة كما يعلق النقش في الحجر. قلت لعلها قد هرمت وتناوشتها يد البلى فأقف عليها كما كان الشاعر الجاهلي يقف على الأطلال.

أخذت طريقي من فندق تاج سبأ صُعوداً في شارع علي عبدالمغني حتى ميدان التحرير، على يمين البيت الذي استضافني أنا وزميلي محمود الحاج نهاية عام 1973م حين قررنا عدم العودة الى عدن والبقاء في صنعاء.. فوطن اليمنيين هو واحد وإن كانوا شتى، كما قال لنا القاضي عبدالرحمن الارياني -رحمه الله، وكان الإحراج الوحيد هو عودة استاذنا الشاعر محمد سعيد جرادة -رئيس الوفد- وحيداً، الأمر الذي قد يعرضه لبعض المخاطر بعقلية تلك المرحلة، وعلى الأقل عدم إتاحة الفرصة أمامه مرة أخرى للسفر ووضع خط أحمر على حركته أو وضعه في القائمة السوداء التي تمثلت بعدئذ بقانون «صيانة الوطن» السيئ الذكر.
في ذلك المنزل الذي مررت به، كما كان يمر قيس بديار ليلى، كان مضيفنا عبدالله الضالعي علماً على المروءة ورمزاً للكرم والاريحية، وهناك تناهت الى سمعنا، أنا وصاحبي محمود الحاج، مقولة الجرادة التي واجه بها منتقديه ومخيفيه حين قال لهم: «التقدميون تقدموا والرجعيون رجعوا»، فنجا ببلاغة اللغة وألمعية الفكاهة من قسوة الايديولوجيا وصرامة كهنتها.
من بيت الضالعي كنت أدلف كل يوم نحو بستان السلطان الى كرم يمني آخر من وجوه الوقت وهو مساوى احمد الحكمي الذي كان نائباً لوزير المالية أيام المشير عبدالله السلال -رحمه الله- ونزل مع من نزل الى عدن في تلك الأيام التي شخصّها استاذنا عبدالله البردوني بقوله:
«شماليون في صنعاء            جنوبيون في عدن
يمانيون في المنفى               ومنفيون في اليمن».
كان مساوى ماركسياً في الفقه وفقيهاً في الماركسية، درس العلوم الدينية وانحاز الى شعارات العصر لَسِناً حاد الذكاء يقارع أصحاب العمائم، ويعمم أصحاب الحداثة، وقد كادت رقبة مساوى آخر ان تقطع بسببه، حين نقل الى الرئيس سالمين أن مساوى يشنّع على التجربة في صحيفة «صوت العمال» فأمر بإحضاره ليعرض على الجماهير في أبين وتتلى عليها صحيفته لترى رأيها فيه، ومن حسن حظ مساوانا أن المكلفين بإحضاره عثروا على مساوى آخر لا ناقة له ولا جمل في الأمر فأخذوه مخفوراً الى أبين بما يشبه قصة ذلك المتعوس الذي جرى الأمر بارساله الى «الحِسْوَة» فقرأ المكلفون اسم المكان على انه أمر بِلَحْس ذلك المسكين، أي الحسوه، ولعل القراء يعرفون ان اللّحس في ذلك الزمن كان حكماً بالإعدام دون محاكمة.
على كل حال لطف الله بمساوانا وبمساوى الثاني حين بكى وقال انه أميّ لا يقرأ ولا يكتب فكيف يكتب مقالاً في جريدة.. وللموضوع صلة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s