نجوم عدن..مقاهٍ وملاهٍ 1

كانت مقاهي عدن في النصف الثاني من القرن العشرين لا تقل شهرة عن مطاعمها ولم ينطفئ بريقها وينحسر جمالها إلا مع صدور قرار التأميم في نهاية الستينات، الذي أطلق رصاصات الرحمة على الطبقة شبه الوسطى وجردها من كل شيء ليحيلها إلى ما تحت خط الفاقة مع عدم استحقاقها لحظوظ الفقراء لأنها تجرأت ذات دهر في عصر (المرحوم) الذي رحل فاستفادت من المناخ الاستثماري المفتوح وأبدعت واكتسبت بجهدها وعرقها موقعاً أو عملاً يدرّ عليها شيئاً من خيرات بلدها تعيد تدويره في المدينة لا في الهند والسند أو إنجلترا، ولو كانت حكومات الاستقلال التي انشغلت بالغمز واللمز والسلب والنهب تدرك المغزى الوطني والحضاري والاقتصادي لتلك الطبقة الناشئة لما فعلت ما فعلته، ولكن:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه
تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن
فوجئنا بعد التأميم بأيام بزوجة صاحب مقهى عثمان الشهير في نهاية السوق الطويل من ناحية ميدان التاكسي وهي تقف بعباءتها ووقارها خلف (المغل) لكي لا يؤخذ حقها وحق أولادها ابتزازاً بحجة أن العمل للعمال، و(سالمين نحن أشبالك وأفكارك لنا مصباح.. أشعلناها ثورة حمراء بعنف العامل والفلاح).. كان كبدي ينفطر على تلك المرأة المكافحة في غابة الوحوش المتدثرين بعباءة (بول بوت) الذي أفنى نصف كمبوديا من أجل أفكار مماثلة تفسر الماء بعد الجهد بالماء. ثم ما مقهى عثمان؟ كتلي وعشرون فنجاناً وأمياز وكراسي لا تختلف عما في المدارس الابتدائية وقليل من الشاي واللبن: واحد دبل وصلّحه، وسعة المحل لا تزيد عن غرفة نوم متوسطة.. ما علينا.
هذه الأيام أمر أمام مقهى (زكو) الشهير الذي كان مقراً مؤقتاً للمتعبين والعاطلين والمتفرجين على حركة (الميدان) وكانت إدارته من الكرم بحيث لا تقول لأحد: توكل على الله وأفسح المجال لغيرك، ومع ذلك فقد كان الرزق من الخمير والشاي وفيراً حيث (يتقرّع) الناس أو يصطبحون في الهواء الطلق لذلك المقهى الفسيح الذي تقلص إلى ثلث مساحته كما أعتقد.
وكلما مررت الآن لا أعرفه كما كان في مخيلتي فقد تآكلت أطرافه، وهذا حال الزمن حيث لا شيء يبقى على حاله في ظل صراع الإنسان وزمنه:
كلما أنبت الزمان قناة            ركّب المرء في القناة السِّنانا
أمس وجدتني أبتسم ثم أضحك، فقد تذكرت حميدة زكريا (زكو) المحامية والقاضية وإحدى ورثة هذا المقهى الاستراتيجي في مركز كريتر، ففي مطلع السبعينات تعينت أول قاضية في جزيرة العرب، وكان النظام فخوراً بهذا التعيين الثوري، وقد جاء صحفي من لبنان لتغطية هذا الحدث التقدمي واستنطاق القاضية وجرى تكليفي من وزارة الإعلام بترتيب برنامجه ومرافقته فاتصلت بحميدة وكان الاتفاق على ترتيب اللقاء الصحفي في مكان هادئ بعيداً عن مكان العمل وتوافقنا على فندق الصخرة (روك هوتيل) حيث توجد كافتيريا تقدم الشاي والعصائر في جانب من الطابق تحت الأرضي، وفوجئت حين التم شملنا أن الكافتيريا تبيع أيضاً مشروبات روحية كونها في مكان سياحي ومدينة منفتحة هي بنت البحار وملتقى الأجناس من أركان العالم الأربعة. ولم يلفت الأمر نظر أحد منا وتمت المقابلة بسلام، ولكن صاحبنا اللبناني المنتمي إلى مدرسة الإثارة التي تقول إن الخبر ليس أن يعض الكلب إنساناً فذلك أمر عادي ولكنه حين يعض إنسان كلباً، فذلك هو الخبر الخبر.. المهم أن صاحبنا نشر المقابلة تحت العنوان الآتي: مقابلة في (البار) مع أول قاضية في الجزيرة العربية .. آه يا (بعيد) ولعنة الله عليك وعلى هيك صحافة، وطبعاً النظام الصارم المتوجس لم يعتبرها طعنة أو طلقة رصاص وإنما قذيفة مدفعية، ومن وراءها؟ ما دام اللبناني قد رحل إلى بلاده فما فيش أمامنا إلا (محسوبكم) فضل النقيب، وقد وصل الأمر إلى سالم ربيع علي الذي كشر عن أنيابه:
إذا رأيت نيوب الليث بارزة             فلا تظننّ أن الليث يبتسم
ما علينا.. وألف اعتذار لحميدة زكريا رغم أنني لا ناقة لي في الأمر ولا جمل، ولا لها أيضاً .. وإلى الاسبوع القادم لنستكمل (مقاهٍ وملاهٍ) و.. سامحونا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s