رفيق الحريري

رفيق الحريري
رفيق الحريري

بأي ذنبٍ قتل؟

القتلة الصغار يرتجفون من هول الجريمة، والقتلة الكبار يغصّون بتداعياتها، وهم جميعاً كالفئران يُصادون بالفخ نفسه، وقطعة الجبن نفسها، دون أن يتّعظوا أبداً، وغداً حين يجيئهم ما جاء (تشاوشيسكو) في رومانيا و (ماركوس) في الفلبين سيجأرون بطلب العدالة، وسيندمون ندامة الكُسعي على أنهم لم يقدموا لأنفسهم شيئاً فيجدونه عند الله تعالى، وعند الناس، وعند الأعداء الذين يتربّصون بهم الدوائر، وسيُسألون عندئذ: “بأي ذنب قتل رفيق الحريري؟”.

لو كان رفيق الحريري من صنف القتلة لاستطاع بحضوره السياسي وشعبيته وأمواله الهائله وتحيّزه لوطنه الصغير إنشاء فرق الموت تعيث في الأرض فساداً كما يفعلون، ولكن الرجل كان ينتمي إلى المدنية الراقية، والإبداع السياسي، وعالم الأعمال الذي لا ينمو سوى في أجواء السلم والحرية وقوّة المبادرة، وقد حاول جاهداً طوال عشر سنوات من تولّيه رئاسة الوزراء أن يعيد لبنان إلى قدره التاريخي: واحة للحرية، واحترام قدرات الفرد، وازدهار التنوّع: “أشعل شمعة خيرٌ من أن تلعن الظلام”.

كثيرون من محبّيه ومحازبيه ومناصريه وحتى أعداءه لم يكونوا يدركون أية قيم يمثّلها رفيق الحريري الذي وصل إلى الحكم بإدارة شعبه، وغادره بإرادة نفسه التي استهجنت غلاظة ورداءة وظلامية الذين لم يروا النور، ولم يتعبّدوا في معبد الحرية، أو يعيشوا حلم الزهور بالإنعتاق، وهي تعيش يوماً أو بعض يوم ليس إلاّ، ولكن أعناقها تطاول السماء ولا تنحني راغمة نحو التراب.

بأي ذنب قتل رفيق الحريري؟ ألأنه كان عصامياً بنى امبراطورية مالية بالعرق والجهد والذكاء والقدرة على إدارة علاقات عامة هي مزيج من عمل اقتصادي وسياسي وإعلامي؟ ألأنه سخّر جانباً من ثروته للنهوض بأبناء شعبه وإغاثة المعدمين منهم واحتضان الموهوبين، ويكفي أنه يقدم منحاً لما يربوا عن 36 ألف شاب لإنهاء دراستهم الجامعية، وهو عمل تعجز عنه الكثير من الدول. ألأن بيروت العصية والتي فيها مراكز نفوذ تاريخية قد ساندته وأعطته جميع دوائرها الإنتخابية وهو القادم من صيدا لأنها راهنت في شخصه على المستقبل وعلى النماء والإزدهار؟ ألأنه خلال عشرة أعوام من توليه رئاسة الوزراء قد أعاد الثقة إلى لبنان وجلب المستثمرين من كل مكان فانتعشت السياحة ونشط العمران واستقر صرف الليرة؟ ألأنه في سياسته الخارجية كان فعّالاً وله جسور ممتدة حول العالم وفي العواصم الكبرى التي تحترم القادة الناجحين وتستشعر الشفافية في سلوكهم وتقدر المصاعب الواقعية التي يدأبون على اختراقها حاجزاً تلو حاجز؟ ألأنه في دول الخليج الغنية كان صاحب مكانة مرموقة استناداً إلى سجله الشخصي ومعايشته وإلى الخبرة التي توفر عليها؟ ألأنه كان يتفهم تعقيدات الواقع اللبناني وحساسية العلاقات السورية اللبنانية، وكان يريد لكليهما – الواقع والعلاقات مع سوريا – أن يرسيا على أسس مبدئية ترضي جميع الأطراف ليبقى لبنان سالماً موحداً، لا أن ترسى أي علاقة على أشلائه وحرية أبنائه، أو تحكمها أمزجة متغيرة، أو أن توظف على حسب اتجاهات الريح. ألأنه تفهم الموقف الدولي من لبنان ورأى القادم من وراء الغيب في منطقة تكره الرائين لطول ما عاشت في الظلام…

بأي ذنب قتل رفيق الحريري؟


كان كإسمه…

2 مارس 2005

كان كإسمه، رفيقاً بوطنه، ورفيقاً بالناس، وله في الرفق قصص وحكايات. وكان في السياسة كذلك، فهو مثل معاوية لا يقطع شعرة بينه وبين الخصوم، لأنه كان يدرك أن لبنان الصغير في مهب العواصف، وتقاطع الطرق الإقليمية والدولية، ولا بد لمن يحكم فيه أن ينظّم حركة المرور السياسية الداخلة إليه والخارجة منه، حتى لا تتصادم المركبات المستعجلة ببعضها، أو تصدم تلك الواقفة على جنبات الطرق من كل شكل ولون، وبموديلات يعود بعضها إلى الفينيقيين، وبعضها الآخر إلى الغساسنة اليمانيين، وبعضها إلى الرهبان الديرانيين، وآخر إلى المسلمين وفرقهم ومتطهريهم الروحانيين، وأرتال من العصر الحديث برأسماليته – وقد كان قطباً من أقطابهم – واشتراكييه الذين لقي زعيمهم الذي كان يُشار إليه بالبنان كمال جنبلاط مصرعه على نفس الشاكلة، إلى جانب القوميين، والطائفيين، والفوضويين، وسماسمرة السياسة الذين لا سياسة لهم وإنما هم يبيعون ويشرون ويضعون صحفهم وأقلامهم في فترينات أنيقة برسم البيع، وما أكثر الشارين من هواة الشهرة، وأساتذة الدس، وملوك الإنتقام، وقبضيات الزواريب، وحنشان المخابرات، والجن الذين يرون الناس ولا يراهم أحد…

رفيق الحريري جاء إلى السياسة من عالم الأعمال (البزنس)، لذلك كان يحسبها بالفلس، ويقيسها بالمسطرة، ومع أن الخسارة واردة، إلا أن العقل يعمل دائماً على الربح، وإلا لما كان هناك معنى لمن يتاجر ويتسيّس، فلعبة السياسة والبزنس لا تحتملان المغفلين ولا الغافلين، ففيهما:

إن الفتى من قال أنا=ليس الفتى من قال كان أبي

والحريري هو أحد فتيان العصر العربي الحديث وجاهة وثراء وعلاقات إقليمية ودولية واسعة، وكانت شخصيته تبعث على الإطمئنان والثقة، وإلى جانبه كانت تبهت صور كثيرين لم يكونوا يرتاحون لحضوره القوي، وشخصيته القيادية النافذة، ومعلومات التي لا يرقى إليها الشك، والذي يبدو أنها قتلته.

الإغتيال البشع الذي تعرض له رفيق الحريري يؤكد أن السياسة الشرق أوسطية لا أخلاق لها ولا ضمير، كما أنها فاقدة للرؤية والنظر إلى المستقبل. لقد أخاف الحريري – الخارج من السلطة – خصومه الحقيقين أكثر مما أخافهم وهو على كرسي رئاسة الوزراء، ففي المعارضة أو على تخومها لم يعد بحاجة إلى سياسة الرقص على الحبال، وتبويس اللحى التي تنبعث منها روائح المؤامرات الكريهة. وكان الرجل يرى لبنان القادم من الدّمار كما رأى الصورة الجديدة التي على ضوئها أعاد بناء وسط بيروت المتهدّم.

إذا كان اغتيال رفيق الحريري رسالة، فيبدو أنه ستعود إلى صندوق بريد مرسلها، لأن دم الحريري الشهيد سيكون انعتاقاً من الخوف، وولادة للشجاعة والتمرّد على صانعي الموت، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s