سالم زين محمد.. جزاء سنمار!!

سالم زين محمد
سالم زين محمد

تستطيع ان تقول انه كان يقتات الكتب في مهجعه بإحدى غرف المعهد العلمي الاسلامي في عدن وذلك في أوقات فراغه وفي الامسيات الهادئة الممتدة حيث يؤنسه صوت الموج القادم من بحر صيرة على مرمى حجر من المكان. وفي النهار كان بطوله الفارع وعينيه الحذرتين الشكاكتين يجوب الفصول معلماً في ذلك الصرح الذي نهض به الداعية الاسلامي الشهير في عدن الخمسينات الشيخ محمد بن سالم البيحاني (الضرير) الذي كان يخترق الحجب ويرى مالايراه المبصرون، وقد كرس حياته للتنوير وإشاعة العلم بمقاييس ذلك الزمان.

على كل حال هذا حديث آخر ربما سنحت الأيام بالتعريج عليه، ونعود الى صاحبنا «سالم زين محمد» القادم من منطقة لحج الخضراء على ضفاف ومتفرعات وادي «تبن» المتدفق من المناطق الشمالية العليا محملاً بالغرين الذي حول تلك الواحة الى مصنع طبيعي للعطور بفضل «الفل» و«الكاذي» و«المشموم» و«الحناء» وغزلان الوادي اللواتي الهمن الامير احمد فضل القمندان روائع الالحان وبدائع الاشعار، ورغم مرور اثنين وستين عاماً على وفاة «امير القلوب» فان اشعاره والحانه ماتزال تصدح آناء الليل وأطراف النهار محملة بالعواطف والأشواق وعرائس الفن كأنها كتبت ونسجت بالأمس وستظل كذلك الى ما شاء الله في تقديري مادامت التربة اللحجية في تناغمها مع «تبن» تواصل صناعة ذلك البساط الاخضر المظلل بالنخيل، وتلك العواطف المشبوبة من الفن الأصيل. نجح (سالم زين محمد) استاذي الأثير في الإفلات مني كما كان ديدنه في الحياة طوراً عندما ذكرت الشيخ البيحاني وثانية بذكر احمد فضل «القمندان» ولكنني لن اجعله يفعلها ثالثة مع انه قد انتقل الى رحمة الله تعالى منذ عقود، حيث لم تنصفه الحياة ولم ينصفه التاريخ، وها نحن معشر الاحياء نرمي بفشلنا عليه، تحبباً وترحماً ورداً لديون كثيرة.

الشاهد ان «سالم زين محمد» كان يقتات الكتب في مهجعه ويعلم في ضحاه ويمارس النقاش وذرابه اللسان في «العصاري» وكانت له مهنة اخرى لم نكن نعلمها حينذاك وهي سر الحذر في عينيه، فقد كان عضواً قيادياً بارزاً في «الجبهة القومية» بل انه كاتب ميثاقها، وبسبب خلافات «الرفاق» آنذاك فقد تم ترحيل سالم زين الى ذاكرة النسيان وفقاً لمقولة ان الثورات مثل القطط تأكل ابناءها».

وقد عاد من القاهرة لفترة وجيزة مبعداً عن الصف القيادي وعهد اليه بتأسيس ورئاسة تحرير جريدة «14اكتوبر» البازغة آنذاك في مطلع السبعينات وكنت من ضمن المحررين بمعيته ومعنا الاستاذ الصحفي المصري امين رضوان الذي وهب نفسه لليمن وقضاياها وكان يعيش عيشتنا البائسة بل اننا معشر الصحفيين طالما اغرنا على شقته الواقعة على «ساحل ابين» فانتهبنا ما بثلاجته حلالاً بلالاً وهو يبتسم في فيض من السماحة والكرم والمحبة قل ان تجد له مثيلاً، وكان ثالثنا الشاعر عبالرحيم سلام القرشي او القرشي عبدالرحيم سلام كما حلا له ان يطور اسمه بما يناسب كبرياء وقامة الشعر، وكانت بلكونة شقة القرشي تطل على مبنى الجريدة فيتم اللجوء اليه في الطوارئ حينما لانغطي المادة مساحة الورق فلم نكن ننعم آنذاك برش وكالات الانباء التي تحيرك في الاختيار والتفاضل والتكامل، وكان القرشي رحمه الله ما ان يقدح زناد فكره حتى تنهال المادة المطلوبة فيأتي بها سعيداً طروباً الى المطبعة لتصف يدوياً وحرفاً حرفاً تحت وقع الملاقط وتصفيف الجمل التي افنت نور العديد من عيون الزملاء الذين كانوا يفوحون برائحة الحبر.

نسيت ان اقول ان الزميل امين رضوان قد تمت مجازاته جزاء «سنمار» حيث القي به في السجن بتهم ملفقة وقد قابلته في القاهرة بعد ذلك فقال تصور، كانوا يحرمونني من الماء الى درجة انني كنت استخدم «فانيلتي» لشرب بولي.. ومع ذلك «لم يتب» فقد ظل مع اليمن يا قاتل يامقتول عقل صعيدي.
في ذلك الزمن لم يكن احد ينتصر لاحد غير «عمر الجاوي».

امين عام ومؤسس اتحاد الادباء والكتاب اليمنيين، وقد انتصر لامين رضوان واحتضن القرشي عبدالرحيم سلام سكرتير المجلة «الحكمة» وكان المواسي الابرز لسالم زين محمد حينما دارت عليه دورة الزمن وغادر الى السعودية خائفاً يترقب (وقد زرته ذات صباح بالرياض في فندق سمه نزلا اوخانا او مأوى كانت ادارته مسنودة اليه ربما من باب الاحتفاظ بالكرامة لأكل لقمة العيش وعندما رأيته متدثراً ببطانية لايظهر من وجهه سوى عينيه احتماء من البرد القارص الصحراويه قلت له: «ان ابانا لشيخ كبير» فقال لي: عيّرتني بالشيب وهو وقار ليتها عيرتني بما هو عار، ثم اطلق ضحكته المجلجلة التي لم تستطع حالته البائسة ترويضها، ثم سألني سؤالاً غريباً قائلاً: هل بقي لديك من اللغة الانجليزية شيء؟ قلت أظن، قال اذاً كلم هذا «الفلبيني» يأتيني بكأس ماء. شعرت بغصة وانا استعيد تلك الحيوية الطاغية والذكاء الحاد اللماح اللذين ميزا «سالم زين محمد» على الدوام، كيف تحالف «الرفاق» والزمن على اطفائهما حتى لم يعد يتذكر كلمة «ماء» باللغة الانجليزية.. يا للعار.

ومرة اخرى ذهبت الى زيارة سالم زين في شقته بالعجوزة في القاهرة، وكان مرحه قد عاد اليه نسبياً، ولكنه مرح مشبع بالسخرية والحزن فـ«كل شيء باطل الا باطيل وقبض الريح» على حد قوله وقد اخذ يسخر من نفسه وكأنما يسخر منا جميعاً، فقال ألا تتذكر «حمود نعمان» الشاعر، قلت: نعم وهل يخفى القمر، قال: لقد هجاني بديوان كامل ربما لأنه كان يظن انني اقبض على السلطة بينما انا مطارد منها ومطرود وغير آمن لأصحابي وفقاً للأثر: انك لن تكون مؤمناً حتى يأمنك عدوك، فكيف اذا كان صديقك لايأمنك، ومع ذلك فلم اغضب منه في يوم من الأيام، ثم اطلق ضحكته المعهودة حيث اندفعت اسنانه البارزة الى الخارج وهو يردد:

من سنونك منظرك إنك حمار
ماتفرق بين قرصك والخصار

وقهقه مرة اخرى وهو يقول هذا ما فتح الله به على «حمود» سامحه الله.

اما ثالثة الأثافي«فكانت عندما زرت جريدة «14اكتوبر» قبل عامين فوجدت لوحة لرؤساء تحريرها المتعاقبين مع صورهم الا «سالم زين محمد» وحين استغربت قالوا: لم نجد له صورة ابداً.. فقلت اكتمل جزاء سنمار.. وهل اخفوا صوره ايضاً.. رحم الله سالم زين الاستاذ والمربي والمناضل.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s