نجيب محفوظ

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

في البدء… كان الكلمة

من حق الأديب العربي الكبير نجيب محفوظ أن يحلم بعالم أكثر عدلاً وأقل ظلماً، فيما هو يحتفل بعيد ميلاده الثاني والتسعين في ظلال النيل الذي يوزع مياهه بالعدل والقسطاس بين بلدان متباعدة وشعوب عديدة، لأنه من فيض الرحمة الإلهية، ولو كان أمره بيد بشر أرعن لهدد به الحياة والأحياء، ولما قال فيه أحمد شوقي:

من أي عهدٍ في القرى تتدفق=وبأي كفٍ في المدائن تُغدق

العم نجيب محفوظ لحظ – كغيره من أدباء العالم المعنيين بنشر قيم الخير والمحبة والسلام – أن موازين العدالة مختلّة، وأن المكلّفين بنشر العدالة – وهم من بيدهم القوة والغنى والنفوذ – هم الذين يُخِلّون بتلك الموازين ويجردونها من تعاليم السماء ووصايا الأنبياء ودعوات الحكماء، ويبغونها عوجاً، لذلك وجّه نجيب محفوظ رسالة لمناسبة الإحتفال بعيد ميلاده الثاني والتسعين إلى الرئيس الأمريكي جورج بوش دعاه فيها إلى نشر العدل بدلاً من اللجوء إلى الغزو لقيادة العالم، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تستخدم القوة لتحقيق مصالحها لا لنشر العدل، فيما العالم يتوقع من أكبر قوة أن تكون عادلة ومنصفة.

ولا ندري إن كانت رسالة محفوظ ستصل إلى من أرسلت إليه، أم أنها ستظل صرخة في واد لا تطرق أذناً، ولا تلامس قلباً، ولا تحرك ساكناً. وقد يتساءل المعني: أيّ عدل يريد هذا الرجل التسعيني الذي ينبغي أن يخلد إلى الراحة؟ وألا يكلف نفسه هذا العناء الذي لا طائل من وراءه، فالعدل والرحمة والإنصاف لا وجود لها في قاموس السياسة، إن هي إلا كلمات يتلمظ بها العاجزون عن إثبات وجودهم تحت الشمس. بل إن المعني بالأمر قد يتساءل على طريقة ستالين عندما قيل له إن البابا قد وجه نداء تحدث فيه عن حقوق الإنسان وحرية المعتقد، فرد بالقول: “البابا… كم دبابة يمتلك هذا الرجل؟”.وكان بذلك يشير إلى أن من لا يمتلك القوة ليس من حقه أن يطالب بالعدل والمساواة. ولقد دأب الطغاة عبر التاريخ على السخرية من الكلمة وأصحاب الكلمة، ولا أتذكر من هو ذلك الطاغية الذي قال: “عندما أنصت إلى مثقف يتحدث أضع يدي على مسدسي”، فصار قوله مثلاً للتندر يتدرب عليه صغار الطغاة لكي يعرفوا كيف يحكمون عندما يكبروا.

ألف مبروك لأديبنا الكبير عيد ميلاده… وفي البدء كان الكلمة أو “كانت” على حد الخطأ الشائع.


عالم نجيب محفوظ..

7 يوليو 2006

كان عالم نجيب محفوظ غنياً بالرموز والإشارات والإيحاءات.. ولذلك فإن نصوصه الظاهرة تستبطن عوالم غير مرئية وحيوات متحركة حتى كأنَّ الزمن لم يتمكن من ضبطها والسيطرة على حركتها. وقد حاولت السينما التي جسدت الكثير من رواياته استلهام تلك الرموز والإشارات والإيحاءات والعوالم المتحركة خلف النص الساكن، فوفّقت هنا وأخفقت هناك، ذلك أن الفيلم هو إعادة خلق للعمل الإبداعي، يفسح المجال لمغامرات أخرى ورؤى جديدة، كما هو الحال في مجال النقد والقراءات المتعددة للعمل الواحد، ويكمن تميّز النص المحفوظي في بساطته الظاهرة التي تمنح مضمونها لكل قارئ ولكل الإعمار.. فالثلاثية على سبيل المثال قرأتها أجيال متعاقبة وفي مراحل سنية متفاوتة وهي لا تكف عن التجدد، وقلَّ مثل ذلك في أعماله التأملية الخاطفة في السنوات الأخيرة من عمره، حيث يمكن أن نطبق عليها قول النفري: “إذا اتسع المعنى ضاقت العبارة”، وفي سيرة حياته أماثيل من انضباطية صارمة تعاكس انفتاح النص وتتناغم معه، فنجيب محفوظ الموظف كان نموذجاً لموظف الدولة التقليدي الذي تضرب جذوره في بناة الأهرامات الذين وُسموا بالسخرة، وهي ماثلة في أيامنا بصورة مختلفة، ولذلك ليس في حياته الوظيفية أية مفاجآت، فقد كان يدب ويكد مع ملايين «الغلابا» من أمثاله من المهد الى اللحد.

 ونجيب محفوظ المبدع يعمل على المسطرة بالدقيقة، بدأب يومي يحاكي فيه الموظفين الذي يوقعون على الدخول والخروج في دفاتر الدوام، فهناك وقت محدد للقراءة، وآخر للكتابة، وهو كما قيل وذكروا واشتهر اذا انتهى ذلك الوقت يرمي قلمه ولو كانت الجملة ناقصة. ونجيب محفوظ – الذي عانى من الشيخوخة طويلاً والتي حرمته بعض ملذات الحياة – لم يكن يتهاون في أدويته، وحين حدّد له الطبيب عدة سجائر ليومه كان لا يقترب من محبوبته السيجارة إلا بانطباق عقرب الدقائق على عقرب الساعات في الموعد المحدد. ونجيب محفوظ – الذي كرم ضمن الكبار برواتب مجزية من «الاهرام» والذي كان بإمكانه أن يلاحظ أن المطلوب منه ليس عملاً روتينياً يومياً وإنما نشر ما لديه مما يبدعه قل أو كثر – كتب في البيت أو على المقهى أو في المنزل، ولكنه لم يمنح نفسه هذا الحق، وأخذ الناس يضبطون ساعاتهم على دخوله وخروجه من مبنى الأهرام، حتى أطلق عليه أحد الظرفاء اسم “الرجل الساعة”. ونجيب محفوظ الذي يشار اليه كرجل فكاهة وقفشات و«قافية» ظل على هذا المنوال مع شلته من الحرافيش، والذين لم يغيرهم لأكثر من خمسين عاماً إلا من توفاه الله، وكان مجلياً في تلك اللقاءات الإخوانية غير السياسية، وانعكست تداولات تلك النخبة واسماؤهم وسخرياتهم في أعماله الروائية وفي شخصياته التشخيصية قبل وبعد أن كتب «ملحمة الحرافيش» وكان يحمل معه الى السهرة كيلو كباب لايزيد ولا ينقص ولا يتغير نوعه، رغم أنه لم يُعرف بالبخل الذي اشتهر به جاره في مكتب الأهرام توفيق الحكيم، والذي كادت تصيبه نوبة قلبية عندما وجد نفسه مضطراً لتسديد كمبيالات بقيمة خمسة آلاف جنية استدانها إبنه اسماعيل ليسددها الآخر، ولكنه امتنع حتى أن هيكل بادر بلمسة ذكاء وإنسانية الى إرسال شيك للحكيم بالمبلغ مقابل أن يكتب قصته مع إبنه الذي كان عاشقاً للموسيقى. رحم الله نجيب محفوظ فقد كان لوحده دنيا في هذه الدنيا.


 آخر الحرافيش

31 أغسطس 2006

كما هي عادة الكاتب الكبير نجيب محفوظ – الذي ودّعنا أمس عن 94 عاماً، كانت حافلة بإعادة إنتاج الحياة في رواياته وكتاباته وتأملاته – فقد تروّى طويلاً حتى أمام موته مثلما هو في حياته كلها التي كانت تسير بدقة الساعة، ولا مكان فيها للمفاجآت. وحينما أعلن خبر الوفاة أمس كان كل شيء مرتباً، فالرجل المسالم – الذي نذر نفسه لتخليد الجمال الوامض والمنطفئ في لوحات بالكلمات بهرت الناس وملأ وجدانهم بعبق التاريخ غير المرئي – لم يترك شيئاً للصدفة، وقد استحضر في أيامه الأخيرة وجوه وأنفاس أصدقائه (الحرافيش) ليستعين بهم على وطأة انتظار الموت، وكان يسأل عائديه عن (الجمالية) الحيّ المعتق الذي ولد فيه، واستقى شخصيات ثلاثيته الشهيرة من أجوائه وأجواء الحيين المجاورين (الحسين) و (الأزهر)، وكان الصحفيون على أبواب مستشفى الشرطة المجاور لمنزله في شارع النيل بالجيزة يتسقّطون الأخبار ويقرأون الوجوه، فلم يكن مسموحاً لهم الدخول كما تعودوا حينما كان الكاتب الكبير متاحاً لكل الناس الذين أحبهم وأحبوه، وألفوه في نزهاته على الأقدام وفي المقاهي التي اعتادها، وكانت جزءاً من شخصيته ومن أدبه، فالمقهى المصري على وجه الخصوص له شخصية اعتبارية مُميزة، فبقدر ما هو مشرّعة أبوابه لكل الناس، إلا أن له خصوصية المسكن بروّاد لا يغيبون عنه، وسمات لا تفارقه، وروائح تحيط به ويحيط بها.

إنه عالم قائم بذاته، وقد تمكن الرسام نجيب محفوظ من تصويره من مختلف جوانبه، كما فعل في توثيق جماليات الأحياء القديمة المعزية والفاطمية، والتي لاتزال صامدة في وجه البلى، ولكنها تفقد بريقها شيئاً فشيئاً مع زحف العمران الجديد، أما في روايات نجيب محفوظ فإنها قد خلّدت إلى الأبد، ليس كعمران فقط، ولكن كحياة نابضة بالشخوص والمطامع والمطامح ومغالبة الحياة وصولات وجولات الفتوة الذين يملأون الفضاء، ثم لا يلبثون إلا زمناً قبل أن تأتي موجه جديدة لتكنسهم وتجعلهم مادة للتندر من قبل أولئك الذين كانوا يهابونهم ويسلّمون لهم بالسلطان والجبروت.

نجيب محفوظ لم يفقد الدّهشة الطفولية، وكان كلما تقدم به العمر ازداد تعتّقاً في قلمه، وتوهجاً في ذاكرته، وعاد إليه أبطاله وقد اكتنزوا بالحكمة، وهذّبهم الزمن، فالذي كان يملأ صفحات صار يتركز في عدة جمل، وهو لم يملّهم ولم يعدم الحيلة لإعادة بعثهم، فالرجل محترف كتابة، لم يكسر قلمه حتى بعد أن طعنه أحد الأشقياء في رقبته وهو يسير وادعاً في الشارع، الأمر الذي أثر على يده حتى صعب عليه إمساك القلم، ولكنه آلى على نفسه أن يتعلم من جديد، وأن يروّض العاهة، لأن الكتابة هي الحياة، فهو كالسمكة إذا خرج من ماء الحروف يشعر بالإختناق. عاف محفوظ في مسيرته كلما يعكر صفو الحياة، من الطمع في ملذاتها، حتى التحدي لسلاطينها، ولم يرى في وظيفة الكاتب قيادة الحياة، وإنما رأى فيها إضاءتها وكشف أسرار الجمال، وإدانة القبح في إطار من الفن، وفي هذا اختلف مع كثير من مجايليه الذين خاضوا معارك أدبية وفكرية وحتى سياسية، والذين لم يبق منهم إلا ما كان خالصاً لوجه الفن والأدب والإبداع.

وحين منع الأزهر رواية نجيب محفوظ (أولاد حارتنا) – التي طُبعت في بيروت، وسُرّبت إلى مصر بعد أن نشرتها جريدة الأهرام مسلسلة – جرى الإقتراح بعد عقود بإعادة طباعتها في القاهرة، واشترط نجيب محفوظ موافقة الأزهر، مما أحنق بعضاً من محبيه من جيل الشباب الذي رأوا في ذلك خضوعاً لرقابة لا يعترفون بها، ولكن نجيب الوادع المسالم كان يكره الغبار وإثارة الجلبة… رحم الله نجيب محفوظ.


النيل يتدفق حزيناً

1 سبتمر 2006

النيل يتدفق حزيناً، عابراً الجيزة بالقرب من شقة نجيب محفوظ، التي حلم أن يموت فيها لا في المستشفى. يتلفت النيل لعلّه يرى صديقه القديم الذي رافقه على امتداد قرن مليء بالتحولات والإنتفاضات والثورات والمآسي والطموح والإنكسارات، وكان يسجل نبضه، ويسامر عشاقه، ويكفكف دموع الضحايا ممن تدوسهم عربات الزمن دون رحمة، وأولئك الذين يسحقهم ظلم الإنسان لأخيه الإنسان متوهماً أنه حاز الذّرى، ولكنه لا يلبث إلا يسيراً حتى يأخذه في التدحرج إلى السفوح، حيث تنتظره صحائف التاريخ الذي يمهل ولا يهمل. كان محفوظ شاهداً فريداً على عصره، وإذا اكتملت مسيرته الإنسانية والإبداعية دون أن تتخطّفه الجوارح، أو تحطّم أقلامه السوانح، أو تحجز حريته اللوائح، وذلك أمرٌ نادر في عصرنا الملتبس، فإن المجال ينتفح لبسط وتأمل تلك البانوراما الذهبية العريضة التي نسجها الراحل من حرير قلبه، ونبض مشاعره، وقلقله الفكري، الذي واكب دفق الأيدولوجيات النابعة من كل مكان من العالم إلى منطقتنا، دون أن ينفتح عليها حدّ الإنبهار، أو ينغلق حد الإندحار، فقد كان المتأمل الحصيف الباحث عما يميّزه في هذا الخضمّ، وكان لديه الكثير الكثير ليضيف ويعدّل وينتقد بصبر الفلاح ودأبه، وباستمرارية النيل الذي يقطع المكان البعيد والزمان المديد دون أن يشكو أو يستريح ليلتقط أنفاسه، وذلك منذ أن أصدر أول مجموعة قصصة (همس الجنون) في عام 1938، وما تلاها من روايات تاريخيه تستلهم تاريخ مصر الفرعونية، (عبث الأقدار) 1939، (رادوبيس) 1943، (كفاح طيبة) 1944، وصولاً إلى الرواية الإجتماعية الحديثة التي دشنها بـ (القاهرة الجديدة) 1945، (خان الخليلي) 1946، (زقاق المدق) 1947، (السراب) 1948، (بداية ونهاية) 1949، فالثلاثية الشهيرة: (بين القصرين) 1956، (قصر الشوق) و(السكرية) 1957، (اللص والكلاب) 1961، (السمان والخريف) 1962، (دنيا الله) 1962، (الطريق) 1964، (الشحاذ) 1965، (بيت سيء السمعة) 1965، (ثرثرة فوق النيل) 1966، (أولاد حارتنا) 1967.

ثم جاءت مرحلة ما بعد هزيمة 1967، التي شققت النسيج الإجتماعي، وكشفت عن الأورام السرطانية في الجسد السياسي، وعن الخلل الفادح في المنظومات الفكرية. وقد احترق محفوظ في أتونها، ولكنه لم يترمّد، فأبدع سلسلة من الأعمال الكاشفة الناقدة الحادبة، لا يتسع المجال لتقصيها، ابتداءً من (خمارة القط الأسود) 1969، وملحمة (الحرافيش) 1977، و (الشيطان يَعِظ) 1979، وحتى (يوم مقتل الزعيم) 1985، حول مأساة السادات حاكماً وقتيلاً، ثم دخل في مرحلة حصاد الحكمة، وتقطير الرؤى، ومزج الواقع بالحلم، في إطار الإقتدار الكتابي، بين تطويع اللغة، وحبكة الأفكار المركزة في (أصداء السيرة الذاتية) 1995، و (أحلام فترة النقاهة) 2004.

يُنصح للأجيال المنصرفة عن القراءة إلى ولوج عالم نجيب محفوظ الساحر، واستكشاف متاهاته التي حتمها السير على أشواك السياسة، والحذر من جموح الأفكار المتطرفة على اليمين وعلى اليسار، ولكن القلم المبدع بقوة الفكر ودهاء اللغة يستطيع تخطي حواجز الأشقياء وفخاخهم المموّهة. إنه وقت للمعرفة والتماهي مع متعة الفن، لأن رحيل المبدعين هو بالاجساد فقط، أما أعمالهم فتترسخ وتتعتق عبر أزمان متطاولة.


الرجل الذي نافس الأهرام

2 سبتمبر 2006

ودعت مصر أمس فقيدها الكبير الروائي العالمي نجيب محفوظ بجنازتين: عسكرية للتقدير والإحترام وعلو المكانة، وشعبية بناءً على وصية محفوظ، لكي لا يرحل قبل أن يطوف بأحياء طفولته الملهمة التي ظلت روحه تطوف وتهيم في أرجائها وذكرياتها وإيحاءاتها على الرغم من أنه رحل عنها منذ زمن بعيد إلى العباسية ومن ثم العجوزة. وجاء في تقارير الأنباء أن ساحة مسجد الحسين بدت خالية حين وصول الجثمان إلا من الأصدقاء والصحفيين ومصوري الوكالات والفضائيات، وهذا دلالة على الإنهدام والخسف الذي لحق بالطبقات الفقيرة من سكنة تلك الأحياء العتيقة في الجمالية والحسين والأزهر وخان الخليلي نتيجة للإنفجار السكاني في مصر الذي عبر السبعين مليوناً من البشر، مؤكداً نظرية (مالتوس) في التضاعف الهندسي مقابل شحة الموارد المتاحة للعيش التي بالكاد تتضاعف حسابياً، ويبدو أن هذه الطبقات المسحوقة معيشياً لم تعد تقرأ أو يتملّكها شغف المعرفة وحماس المشاركة لإنشغالها بالهم اليومي، أضف إلى ذلك أن الطبقة الوسطى حارسة الثقافة والميزان القسطاس بين الأعليين والأدنيين، قد بهتت اقتصادياً، وناء كلكلها، ولم تعد تملك رفاهية التلذذ بزاد المعرفة، وفساحة التأمل وبحبوحة الصعلكة والحرفشة. إن هؤلاء الذين لم يسمعوا – في ضوضاء المجتمع الإستهلاكي – برحيل زعيمهم الذي أسّس ورعى دولة الحرافيش والفتوات والمجاذيب والبهاليل على الورق، وظل يتعهدها ويرويها عصارة قلبه وعقله وأعصابه،  معذورون، وربما كانوا من الوافدين الذين قدموا من أرجاء أرض الكنانة طلباً للمعيشة في المدينة، فهم لا يمتون إلى عالم نجيب محفوظ إلا بصلة بسيطة عمادها المكان الذي تغيرت عاداته وتبدلت علاقاته، وإلا بالأسماء التي تعمّر أضعاف عمر الإنسان مضاعفة، وإن فرغت من مضامينها الأصلية ودلالاتها الأولى.

حين ذهبت إلى القاهرة عام 1964 وحتى 1970، حيث أنهيت دراستي بجامعة القاهرة، كنت أتردد إلى أحياء نجيب محفوظ مأخوذاً بسحر كتاباته في رواياته بين القصرين وقصر الشوق والسكرية وخان الخليل وزقاق المدق، وكنت قد قرأتها في عدن إبان صدورها تقريباً أو إعادة طباعتها في الخمسينات وبداية الستينات، ولم أشعر بغربة أو غرابة المكان الذي كان مرسوماً في مخيلتي كالنقش في الحجر بالملايات اللف لحسناوات ذلك الزمن، الحالمات بالسّمنة شأن النموذج الجاهلي للجمال الجسدي، وبالفتوات الذين كان عالمهم متوحشاً دموياً كساحات المصارعة اليونانية التي تتواجه فيها الأسود المجوّعة مع الأشقياء المرصودين باليأس والموت، وإلى جانب هؤلاء قطبي حياة الأنوثة والرجولة العارية، تهب الأنسام الروحية في تلك الأحياء الدائخة في ملكوتها بالأولياء الذين رحلوا ولكنهم أكثر حياة من الأحياء، وبالفرق الصوفية ومجاذيبها بتمائمهم وأدعيتهم والغموض الذي يحيط ابتهالاتهم ونداءاتهم، فيتجنبهم الأشقياء من الفتوات خوفاً مما لا يُرى، ويتقرب إليهم الأسوياء الباحثين عن الطمأنينة، وتفد إليهم النساء اتقاءً لأعمال السحر وإبعاد العين. لكم كان نجي محفوظ مأهولاً بسحر الحياة، وبتلك الأنوار الخفية التي تتسرب في ظلمات الحياة الموحشة، وجاءت تلك الأعمال التي تحولت إلى أفلام لتجعل منه عميد السياحة الشعبية دون أن يقصد أو يتقصد، وهو بذلك ينافس الأهرام الذي ينام اليوم قريباً منها… رحمه الله تعالى.


تحية .. ليس إلاّ.. – نجيب محفوظ

6 سبتمبر 2007

مر عامٌ على رحيل الروائي الكبير نجيب محفوظ وقد خرج من دنياه وناسها بطعنة في الرقبة أشّرت للمعاناة التي على المبدعين العرب الاستعداد لملاقاتها ، فما كان لملاطفاته واعتذاراته لنفسه ولأدبه وللآخرين، ولهدوئه الذي جعل منه كائنا يشبه النملة يدب على الأرض دون الالتفات إلى خلف أو يمين أو يسار أن ينجيه من ذلك السكين الذي حملته عاصفة من الغضب والجهل والتحيز ويباس التفكير ، وربما كان ذلك الغضب ضد شيء في نيكاراجوا أو في واشنطن أو الصين أو حتى في القطب المتجمد ، ولكنه لبعد الشِقـّة لم يجد في طريقه سوى نجيب محفوظ فسدده إليه ليحدث دويا في العالم كأنما (تداول سمع المرء أنمله العشر)، كيف ولا ونجيب أول عربي يحمل جائزة نوبل للآداب ، وقد أدرك الذين يطعنون من وراء ستار بأيدي جهلة، أن الصيد يستحق المجازفة ، مقدرين المردود الدعائي لمحاولاتهم المستميتة إطفاء أضواء التنوير التي ترشح من أدب نجيب هينة لينة غير صاخبة، ولا مواربة ، لأنها تنبع من جسد الحياة وليس من المقاييس الصارمة للمنطق، أو من التسلقات الحادة للعقل، أو من الاستنباطات الخرقاء للحماقة.

 رحل نجيب محفوظ قبل عام وقد أوفى دينه للحياة وللموهبة ولأخيه الإنسان ، وقد عاش احتفاء العالم به وبلغته العربية وبيئته الفريدة في قاهرة المعز العابقة بالسرديات المرئية والملموسة والمشمومة، وبالفوانيس الملونة المتحدرة عن الفاطميين، وزوايا الصوفيين، وأروقة المجتهدين، وما للمجاذيب من مجاذيب في دروب الأزهر والجمالية وبين القصرين، حيث يوجد أناس يحاولون أن يكونوا سعداء بفقرهم، قنعاء برزقهم، متوائمين مع دينهم ومعتقداتهم ، ينالون نصيبهم من الدنيا ثم يستغفرون لثقتهم العظيمة برحمة الله تعالى وعدالته وتلطفه بالخلق.

وفي المرحلة الثانية من حياة نجيب الأدبية عقب الثورة المصرية 1952م، وعقب صمت تأملي استقرائي، شمّر الكاتب عن ساعد الجهد، وأعمل الدهاء الكتابي في مشرحة النصوص، فقدم نماذج من الأدب الجديد المقارب لمجريات الواقع الغارق في حلم ثوري، وهي نماذج حمّالة أوجه، تستجيب للزوايا المختلفة التي ينظر منها القارئون والنقاد، وما أظن نجيب قد وجد مشقة في تقمص العهد، وإعادة عرضه تمثيلياً في شخوص الروايات، ذلك أنّ الشارع المصري الذي كان وثيق الصلة بنبضه يقدم أبطاله في مسرح الهواء الطلق ولكن القليل من الكتاب هم الذين يغرِفون من ذلك النهر الذي يجري من تحت أقدامهم، أما نجيب المتمرّس فلم يجد صعوبة في أن يكون أدبه موجة في المجرى، وإن كانت تجري بأمره وتوجيهات مُنشئها ، وقد فُتنت أجيال بسهله الممتنع المتجلبب بغبار الشارع، والنهم إلى حياة موازنة لحياة الجد الذي يبدو كاللعب، لمخضرمين عاشوا هوى النفوس الإنسانية بما توحيه لنفسها من العظمة والمجد السامق، وما هي إلا هنيهات من الزمن حتى يتكشّف كل شيء من قبض الريح وباطل الأباطيل. ولأن نجيب لم يتعمد البطولة ولم يسع إليها فقد جاءته عبر (نوبل) دونا عن الآخرين من عظماء ذلك الجيل الكتابي الذي ملأ دنيا العرب معرفة وإبداعا وريادة.

وقد عُمّر نجيب حتى قارب التسعين وخلت (الأهرام) من أنداده فانجذب إلى الشباب واحداً منهم، وإن كان يسير على عصا. وقد توّج حياته بكتابة أحلامه التي يسبح عبرها في مياه أطواره المختلفة برشاقة الطفل ونزق الصبي وفتوة الشباب ورزانة الكهل وتجريب جامع الأعمار، وإذ نستذكره في ذكراه الأولى فلكي نبعث إليه بالتحية ليس إلا .. لأننا نعيش وجدانه الكتابي بقدر ما يعيش في وجداناتنا التي لا تفارقه:

إذا ترحّلت عن قوم وقد قدروا = أن لا تفارقهم فالراحلون هُمُ

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s