زايد في عيون العالم 3

لكل حكايته مع زايد: البؤساء والفقراء، البسطاء والعلماء، القادة والرؤساء، الأيتام والأرامل وعموم النساء، الأطفال الذين غادروا غفلة التاريخ ومجاهل الزمن لينعموا بطفولة هانئة، ويتنوّروا بالعلم، ويحلمون بمستقبل غير الذي كان يحلم به آباؤهم وأجدادهم، وحتى الطيور السابحة في السماء لها حكاياتها، فقد كان زايد شديد الاهتمام بها عن إيمانٍ ووعي، إيمان بأن لها من الحقوق على البشر مثلما لأنفسهم، وأن مقْدَمَها إلى الواحات والغابات المستصلحة بُشرى خير ودليل محبة ومجال جمال، ووعي بأن الإنسان لا يمكن له ولا يحق أن يدّعي ملكية الأرض دون سائر العالمين من مخلوقات الله تعالى، وأن البشر يُرحمون بالشجرة التي لها حق الحياة، وبالطير والحيوان الذي له حق العيش، وإن من لا يُعطي لا يُعطىَ، ولطالما ردد هذا المعنى ليستوعب مستمعوه أبعاد ما يرى وما يعمل وما ينصح، فقد اعتبر المال أمانة واختباراً وتكليفاً ولم يره منحة لا تسترد وتشريفاً لا يُسأل عنه صاحبه.

ومن هذا المنطلق الإيماني بنى زايد عمارة التقوى وشرّع قانون الرحمة للحياة والأحياء، ويروي الدكتور (أحمد الكبيسي) أن الراحل الكبير كان دائم الاستفسار في مجالسه عن حكمة الشريعة الكلية ومقاصدها العميقة، وقد قال ذات مرة أنه يستشعر الألم المحض كلما كان عليه أن يوقّع حكماً شرعياً بالإعدام، وأنه يسعى في مثل تلك الحالة إلى إقناع أصحاب الدم بالعفو ويبذل لهم من ماله وجاهه ما شاؤوا ليحقن دم ذلك المحكوم، ولكنه يضل بينه وبين نفسه يتساءل: “هل ذلك حرام، ويتناقض مع القصاص الذي قال فيه الرحمن: {ولكم في القصاص حياةٌ يا أولي الألباب}؟”.

يقول الدكتور (الكبيسي) قلت له: “يا سيدي إن الله تعالى يأمر بالعدل والإحسان، والعدل هو الحكم الشرعي بالقصاص، أمّا الإحسان هنا فهو العفو وإشاعة التسامح والمحبة بين الناس، وما فعلته وتفعله هو تطلّع إلى مقام الإحسان الذي يحثّ عليه المولى: {وإن تعفوا فهو خير لكم}” ويعلق الكبيسي بالقول: “لقد أضاءت أسارير زايد، وهكذا كان دائماً عندما يتأكد له تطابق الحكم الشرعي مع نزوعه الإنساني وفطرته الصافية”.

ويقول إن زايد كان يجلّ العلماء ويُعلي من مكانتهم ويقرّبهم، حتى أنه في أيامه الأخيرة حين ضعفت صحته كان يسلّم عليه الأبناء والزائرون وهو قاعد حتى إذا ما جاء عالم تَحامل على نفسه وقام واقفاً، حتى أنني أشفقت عليه فأقسمت آخر مرة قابلته فيها أن لا يقوم من مقامه فاستوى على مضض لشدة إعزازه للعلم والعلماء.

ويروي السيد (علي الهاشمي) المستشار في ديوان الرئاسة أنه ذهب مرات عدة إلى مصر لدعوة الشيخ (محمد متولي الشعراوي) لحضور ليالي الخير الرمضانية التي يدعو إليها الشيخ زايد العلماء من أرجاء الوطن العربي الكبير ومن شتى أنحاء العالم الإسلامي، وكان الشيخ (الشعراوي) يعتذر لظروفٍ كثيرةٍ حتى جاء ذات رمضان وجلس إلى مائدة الشيخ زايد الذي قرّبه وأعلى مقامه وأخذ يطعمه بيديه فتأثر الشيخ الذي ربما كانت له تجربة مع الحكام مغايرة، فأخذ يردد دائماً: “لقد فاتني في عمري الكثير عندما لم أسارع إلى قبول دعوات هذا الرجل الكبير المؤمن المتواضع”.

وعلى ذكر التواضع يروي السيد الهاشمي أنه ذهب ذات مرة إلى الديوان يهنئ زايد على كلمة مرتجلة ألقاها في وفود زائرة، وقد كانت أبلغ في النصيحة وأهدى إلى سبل الرشاد من كل قول، فلما قال له ذلك ردّ عليه زايد بالقول: “إنني أستفيد الكلام من العلماء وأفيد به الناس”.

نعم… لكل حكايته مع زايد شفاهاً أو سماعاً أم قراءة لدفاتر أعماله، وفي ذلك التوفيق كل التوفيق من الله تعالى، وفي مثله فليتنافس المتنافسون.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s