زايد في عيون العالم 4

جفاني النوم فجر الأمس، وقد حاولت طويلاً فلم أفلح، لكأنّ منادياً يناديني إلى لقاء الصّباح على الطبيعة، حيث هبوب الأنسام اللطيفة، وأشعة الشمس الأولى الحانية، وملكوت البحر الأزرق الذي يداعب إغفاءة (أبوظبي) المتجملّة بالّلون الأخضر، تحنو عليه النخيل وتعطّره الأزهار، وتشير إليه من بعيد الجُزر المتناثرة تـُقرؤه تحيّة الصباح.

لكم هو حزنك بليغ أيتها المدينة الحديقة، وأنت تحاولين مداراة دموعك وتستشعرين اليـُتم للمرّة الأولى بعد أن رَفلتِ طويلاً في التأسيس والبِناء والتجميل ومباهاة مدن العالم المتقدّم. لقد رَحَلَ مؤسِّسُك الذي نظر إليك بقلب شاعر، ورؤية فنان، وخيالِ مبدع، وستفتقدين طويلاً وعميقاً تلك “العصا” الأسطورية تشير إلى الشواطئ فتعيد تشكيلها، وإلى الأرض الفضاء فتحيلها ورش عمل لا تهدأ، تتقصّى النواقص وتحث على سرعة الإنجاز، وتوفّر الموارد، وتطرد بلا هوادة من هم عالة على العمل من أولئك المتجمّلين بلا جمال، والضّاجين من غير إنتاج.

كان الشيخ زايد يمنح الناس صبره المديد، ورفقه الوئيد، ونصحه السديد، وكان يشجّعهم على العمل المخلص قائلاً لهم: “ستخطئون ولكنكم في النهاية ستتعلمون التجويد ولن تعودوا إلى الخطأ بعد أن كسبتم المعرفة”. ولم يكن يتحدث إليهم من برجٍ عاجيّ، فقد كان دائماً معهم في الميدان يداً بيد وخطوة بخطوة، صديقاً ورفيقاً وجليساً أنيساً، يستشهد بهدي الله تعالى القرآن الكريم: {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك}

كان الطمأنينة تسير على قدمين، ومن وجده فقد وجد “ليلة القدر” تهنوا إليه قلوب الأطفال ببراءة وانجذاب، وتتحدث إليه النسوة المتعبات، والشيوخ من الرجال العالقين في أشعة المغيب، وكذلك الشباب الذين يتطلعون إلى الغد. كان للرياضيين تميمة الفوز، فإذا ما أهدوه انتصاراً انشرح له صدره، وانتابتهم مشاعر الابن يهدي أباه أول راتب له. وكان للإقتصاديين ضمان الإستقرار والنمو والأمان على المال، فمن أمن على ماله أبدع في استثماره، وحين أراد اجتذاب ادخارات المواطنين للاستثمار في المال العام عبر الشركات المساهمة منحهم حداً أدنى من فوائد ثابتة بضمان زايد، فهم لا يخسرون أبداً حتى استقامت السوق وبدأت تعطي أكلها على أسس اقتصادية. وحين خاف على الأرض من تدفقات مالية قادمة من الخارج يمكن أن تشتريها برخص التراب وتحيلها إلى ذَهَبٍ لا يستطيع المواطن البسيط شراءه؛ وضع يده على الأرض وحرّم بيعها وشراءها من قبل المال المضارب قائلاً أن الأرض لأبنائها وللأجيال القادمة، وان على الدولة أن تساعد الناس لإعمارها وسكناها، وتحويلها إلى مدن نابضة بالحياة، مكتفية بالخدمات، موصولة بالزراعة. وكذلك كان الحال في مساعدة المواطنين على اقتحام مجالات الرزق الحلال عبر مشاركة ذوي الخبرة ليتمكنوا من إدارة بلدهم والإنتفاع من خيراتها دون افتراءٍ على الوافدين الذين فتّحت أمامهم أبواب العمل، فاستفادوا وأفادوا… ومهما سجّل القلم من الالتفاتات الذكية والعادلة والبعيدة النظر لهذا الزعيم فلن يستطيع أن يوفّيه حقه، فقد كان بارّاً بالناس يستشعر المسؤولية ويحمّلها لنفسه لأنه سيكون مسؤولاً عنها يوم القيامة حيث رحمة الله التي تسع كل شيء والتي يدعوا جميع الناس لزايد بها.

مررت على كورنيش (أبوظبي) حيث رآه الناس للمرة الأخيرة يتفقد الأشغال الجارية دون مرافقين، ومن بعيد كانت قباب قصر المؤتمرات تلمع تحت الأشعة، حيث ذهب إلى هناك لتفقد سير العمل الموشك على الانتهاء وفي (الرأس الأخضر) كان العمال يغسلون الأشجار واحدة واحدة كما علّمهم زايد… إنها الحياة تستعيد أنفاسها لتقول: “إن زايد باقٍ بيننا بعمله وما أرساه من سنن حسنة له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم يبعثون”.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s