زايد في عيون العالم 5

الإنسان بطبعه يألف مظاهر الحياة من حوله فيحيلها إلى قاموس “المتعارف عليه” من الشؤون والشجون التي تطويها العادة ويحتويها (النسق)، فيراها الإنسان بالبصر ولا يستشعرها غالباً بالبصيرة، ونحن إذ نعيش اليوم إنجازات القائد الراحل زايد بن سلطان – رحمة الله تعالى عليه – في مجالات الأمن والأمان، والرّغد والرخاء، والتطوّر الإزدهار، والآمال والأحلام، والعلم والمعرفة، والثقة والمقدرة، والفخر والزهو، والعدل والإحسان، والتعايش والإطمئنان، يغيب عن عيوننا الناظرة جهد التأسيس وإحكام البنيان، وموازنة عوامل الإنصياع لما هو معروف, والمغامرة في ما هو مجهول، والنزوع إلى الابتكار، وإطلاق طاقات الخيال البنّاء، وانتزاع جيل جديد متنوّر من جيل كانت طموحاته محدودة، وموارده مفقودة، وتطلعاته معدودة، وكانت هذه أصعب وأنبل المهمات التي أنجزها فقيدنا الراحل، بل كانت في محور تفكيره وفلسفته، وفي صميم عمله، فالحياة الحقيقة لديه هي الناس: رجالاً ونساء، فَهُم الثورة والضمان والأمان، وهُم المستقبل والتشييد والبنيان، وهُم الاستثمار الحقيقي الضامن لكل أنواع الاستثمار. وينبغي أن لا تغيب هذه النظرة الصائبة أبداً بتغليب الأشياء ومظاهرها على مضامينها العميقة وجواهرها؛ لأن أي حكم إذا فقد بوصلة الإسترشاد إلى الإنسان وهمومه سيفقد القدرة على توجيه التنمية إلى حيث يجب أن تُوجه، وذلك واحدٌ من أعظم الدروس التي خلّفها زايد لأبناء شعبه ولأمة العرب.

هذا الأفق الواسع للشيخ زايد – رحمه الله – ربط تجربته بعالم الحياة والأحياء بصورة لا تقبل الإنفصام، فنبعت عنها الثورة الزراعية، وإنشاء الغابات، وتخضير المدن، وتوفير الملاذات الآمنة للطيور والأسماك والحيوانات المعرّضة للإنقراض، وكذلك الحفاظ على البيئة، وكل تلك الأمور وُجِدَت أولاً في روحِه الشفّافة، ونفسِه البنّاءة، وعقله المُلهم قبل أن تتحول إلى واقع ووقائع يعيشها الإنسان ويستمتع بجمالها وثمارها وثرائها الروحي.

كثيرون يفكّرون أنهم لو كانوا مكان زايد وبإمكانياته لفعلوا ما فعل، ولكنهم بقولهم هذا يجافون تجارب الحياة ومعرفة النفوس، ولينظروا في الآفاق ليروا ما غاب عنهم، فكم من البلدن الثرية لا تهتدي إلى أسرار الجمال ودفء البنيان ورعاية الإنسان، ثم إن مثل هذه الأعمال ليست فِكرةْ : “كن فيكون” وإنما هي جهدٌ دؤوبٌ على مدى عشرات السنين، وقرارات مسؤولة يتداخل فيها العلم والمال والحلم والمتابعة ووضوح الهدف، وهي تُبنى بعضها فوق بعض. وأتذكر أنني عندما جئت إلى هذا البلد الأمين قبل أكثر من ربع قرن لم يكن هنالك ديارٌ بين أبوظبي ودبي، والطريق مزدوج بالكاد تعبُر فيه سيارتان في الاتجاهين، وعجاج الرّمل ينوء فوق السيارات ومن تحتها، والجِمال العابرة للأسفلت تحمل نذر الموت لمن في النعوش الطائرة، أمّا حين يحل الظلام فيخيّل إليك من العتمة أن الطريق حيّات تسعى.

اليوم: ما شاء الله، أوتوستراد عالمي كأنك أمام نهر للسيارات كنهر النيل، ومدن متواصلة متصلة تجعل كلا المدينتين الكبيرتين ضاحية للأخرى، وأنوار كاشفة، فلا فرق بين وضح النهار وغبشة الليل، وتشجير مُترف على الطريق المباشر، وفي عمقه غابات، هل جاء ذلك من فراغ؟ هذا مجرد مثل قوم يتفكّرون.

يروي (علي سالم الكعبي) مدير مكتب زايد أن السيارة التي كان يستقلّها – رحمه الله – في جولاته الميدانية كانت لا تخلوا دائماً من مقص للأشجار ومنشار لتقطيعها وغير ذلك من الأدوات الزراعية، وعندما يمر على شجر غير مستقرة كان يقف ويعلّمنا كيف نقلّمها ونسندها. ويتذكّر رفقه بالحيوان: ففي إحدى السفريات إلى جنيف خلال تناوله للطعام في أحد المطاعم كانت طيور وسناجب تأكل من البقايا فأمرني أن أتعاقد مع صاحب المعطم لتقديم الغذاء لهذه الحيوانات صباحاً ومساء ولمدة عام.

كان الشيخ زايد يردد دائما: “من لا يَرحم لا يُرحم”. فلتتنزل عليه شآبيب الرحمة الإلهية، فكل أعماله وأقواله صدقات جارية لا تنقطع.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s