الحكمة اليمانية- بقلم جمعة الامي من جريدة الخليج الاماراتية

الحكمة اليمانية

“أولئك هم أهلي فجئني بمثلهم

إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ”

(الفرزدق)

جمعة اللامي
جمعة اللامي

قبل نحو سنة ونصف السنة من يومنا هذا، أصدر الرئيس علي عبدالله صالح قراراً رئاسياً بتعيين صديقنا الأديب الشاعر فضل النقيب ملحقاً ثقافياً بسفارة الجمهورية اليمنية لدى أبوظبي عاصمة دولة الاتحاد المجيدة.

ولو أن صديقنا المشترك، اشاعر الراحل (عبدالوهاب البياتي) على قيد الحياة حينئذ لكان همس لي قائلاً: “نعم، يستاهل النقيب، هذا التقدير والالتفاتة اليمانية”.

والحق مع (أبو علي) فالرئيس صالح – شخصياً – هو الذي اختار النقيب لهذه المهمة التي تشكل بعضاً من واجب المثقف الحقيقي تجاه ثقافته الوطنية والعربية.

ولو أن صديقنا المشترك، الأديب والمفكر والصحافي عزيز السيد جاسم وصل إليه قرار الرئيس صالح، لقال بكلمات صافية وواضحة ومسؤولة: “عندما يقترب صاحب القرار من المثقفين والمبدعين فإنه يربح نفسه وشرطه الإنساني”.

والحق مع (أبو خولة) أيضاً فهو أحد القلة التي أدركت أن إتاحة فرص العمل الحر أمام المثقفين والمبدعين العرب (ثقافة) عربية تأخرت كثيراً”.

تعرفنا في حديقة (اتحاد الأدباء العراقيين) ببغداد، إلى ذلك الشاب اليمني الذي أصبح صديق الجميع: فضل النقيب صداقة لوجه نبل الثقافة العربية وسمو غاياتها، ثم قادتنا هذه الصداقة إلى (بيت المني) في منطقة (العيواضية) على الضفة اليسى من دجلة الرصافة.

كان يختلف إلى ذلك (البيت المني) عرب من أفريقيا وبلدان الخليج بينهم الطالب ومنهم الفنان، وكذلك القائد السياسي في شخص صديقنا الراحل (عثمان صالح سبى). وكان هناك أحباش وأريتريون وسودانيون وعراقيون: أمة مصغرة لا تتعصب – إذا جاز التعبير – إلا للثقافة العربية ذات البعد الديمقراطي.

ولا يمر يوم أو يومان في أسبوعنا، إلا ونحول فيه ذلك الزمن القصير إلى عمر غير منته، سواء تقاربت تحليلاتنا الثقافية والسياسية أو عندما نتجاوز سلطة (المال الخاص) فنجمع ما في جيوبنا جميعاً لتكون لدينا وزارة مالية، لا مموّل لها إلا فقرنا

في ذلك (البيت اليمني) كلنا ضيوف وكلنا رب المنزل، ولا أعرف أنا العراقي الذي أقيم في عاصمة بلادي، من هو مالك ذلك البيت، أو من هو الذي استأجره، كل الذي أعرفه أننا – فضل وأنا – عندما ندلف إليه نجد راحة ما بعدها راحة، ثم يشتعل حوارنا أو صخبنا الذي يقدح زناده صديقنا فضل النقيب.

بعد ذلك كبر (البيت) ولم يعد يمنياً أو عراقياً أو سودانياً، لقد استوطنتنا الثقافة العربية برموزها العتيدة، كانت البداية مع الشاعر (حسب الشيخ جعفر) ثم جاء (عبدالوهاب البياتي)، وأخذ (عزيز السيد جاسم) يختلف إلى مطرح آخر نلتقي فيه جميعاً، وكان يعرج علينا أيضاً الشاعر (سعدي يوسف)، أو يذهب نفر منا إلى منزله المستأجر في ضاحية من بغداد.

ولا يخلو مجلسنا من إطلالات أكبر صعاليك القرن: (عبدالأمير الحصيري)، و(رشدي العامل)، و(نزار عباس). وقبل هؤلاء الأصدقاء، غالباً ما نلتقي مع الشاعر الراحل (حسين مردان) (بودلير الشرق) كما كان يحب أن يسمّى في مكتبه بالإذاعة العراقية، أو في فندق بغدادي شهير.

لله الحمد، أولاً وقبل كل شيء، أخذني الاستطراد حتى لم يعد بمستطاع حيز (ذاكرة المستقبل) أن يقدم تلخيصاً ملخصاً لوسط ثقافي عربي، كان يحتضن (فضل النقيب)، وكان النقيب من اجنبه يقدم لأشقائه من خلاله قولاً وسلوكاً، ما يتيسّره من الحكمة اليمانية.

كان (البياتي) يقدم ملاحظاته الجادة في الشعر، و(حسب الشيخ جعفر) يعلن عن تجربته في بلاد (المسقوف) التي أحبها أو اشمأز من سخام ايديلولوجيتها، بينما كان (سعدي يوسف) كثير الانهماك في الشعر والموقف، قليل الاهتمام بما يخبئ له الغد.

في هذا المشهد، وقبله في اليمن ومصر، وفقد فضل النقيب إلى الإمارات، بعد تجوال في أغلب أمكنة القلب من هذا الوطن الذي يمتد من الماء إلى الماء.

أقول: أصاب الرئيس صالح.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s