يحيى عمر قال – 5

أنصت عامة الناس الذين هم ملح الأرض للشيخ يحيى عمر اليافعي فأنزلوه مقاماً عالياً، وفتنوا به وبإبداعه في سمرهم ومجالسهم ومحافلهم، وكيف لا يفعلون ذلك وهو الذي منحهم المسرة، وجنّد حياته لإسعادهم وإدخال الفرح إلى قلوبهم، وما من أحد في جزيرة العرب كلها لم يسمع بيحيي عمر أو يردد أغانيه وينتشي بصوره البارعة المرسومة بريشة مصور حاذق يحول الكلمات إلى صور ويحول الصور إلى كلمات، فيما القوافي طوع بنانه بلغة سهلة تجاوزة اللهجات المحلية، وأنزلت الفصحى من سماءاتها العالية، فجمع بين البساطة الفاتنة والوضوح الجميل. وقد مكنته قدراته في إنزال الكلمات على الألحان وتأديتها في الغناء من امتلاك حاسة اختيار المفردة الغنائية، وهو يشبه في ذلك الجواهرجي الخبير الذي يميز الذهب الأصلي من المغشوش بمجرد النظر دون أن يضعه على المحك.

ولكن الخاصة من الذين يكتبون وينشرون، ويؤرخون وينقدون، ويتأملون أحياناً وكثيراً ما لا يتأملون، لم يعطوا هذا العَلم الشامخ حقه ومكانته، ولقد كانوا أسرى النظر الدوني إلى المغنين والمطربين وأصحاب الشعر العامي، وهي النظرة التي آن أوان نبذها، ففي هذا الشعر كنوز من الجمال الرقراق والخيال الخلاق، وفيه نبض الجماعة، والرؤية المجتمعية للنموذج، وكيف ينبغي أن يكون، وفي هذا النبع الفياض بالمحبة يتعلم الناس التسامح ويبتعدون عن الإنغلاق وجفاف العواطف والتعصب المقيت الذي يصيب صاحبه بالخواء الروحي والذبول العقلي، فلا يبصر في الدينا سوى القبح، ولا ينظر إلى الناس إلا بعيون الشك والريبة.

مالنا ولهذا ولهؤلاء، ونعود إلى ينابيع (أبو معجب اليافعي) الذي قاله عنه المستشرق الإنجليزي الشهير (روبرت سارجنت) صاحب كتاب (شعر ونثر من حضرموت)، “إنه كان أشهر الشعراء الشعبيين في وادي حضرموت، يتداول الناس أشعاره ويحفظونها عن ظهر قلب”. وهذا يدل على أن الرجل قد عبّر عن الناس وعواطفهم، لا عن نفسه فقط وهو واحدٌ من الناس، وليت شعري كم من الشعراء أو ممن يدعون أنهم شعراء قد حازوا مثل هذه المكانة الرفيعة في دينا الأدب والإبداع، وحين اقرأ لـ (أحمد فضل القمندان) صاحب الفتوحات الشعرية، وأبو المدرسة اللحجية في الغناء اليمني، أو للسيد (حسين أبوبكر المحضار) القامة السامقة في عالم الغناء الحضرمي، أدرك الدور التاريخي الكبير الذي نهض به يحيى حين حرّر الغناء والعواطف والعقول، وأطلق المواهب البريئة من الجمود والتقليد، لتنشد الحياة، فرسم الطريق لمن جاء بعده ممن تجاسروا وتقدموا الصفوف.

أخذت أتأمل في قصيدة يحيى عمر المعنونة (أبومعجب يقول العشق حالي) وما فيها من نبض لا يبليه الزمن، ومن بساطة لا تقبل الانكسار، ومن رقة تنساب إلى كل قلب عاشق مفتون:

أبومعجب   يقول  العشق  iiحالي
ولكن   عاد   له   نزلة   وطلعة
وله  أيضاً  سهر  طول  iiالليالي
ودمع  العين  دمعة  فوق  iiدمعة
ومن   حب  الصبايا  لا  iiيبالي
ويخضع   للهوى  ألفين  iiخضعة
ولا  يختاف  من  طعن iiالنصال
ولا   تدخل   معه  بالقلب  iiفزعة
أنا  يا  أهل  الهوى  قل iiاحتيالي
حبيبي ما اعترف لي كيف طبعه

لاحظ الرشاقة في البناء، والموسيقى الداخلية الفنية وحسن التخلص دون أي حرج أو خدش في جسد الشعر، ثم سلاسة المعنى وخفة الروح التي ستنكشف أكثر وأكثر لاحقاً:

ملكني   هاشني   زين  iiالمشالي
وقطع   مهجتي   سبعين  iiقطعه
وأنا  المملوك  له  حالي  iiومالي
وكلي  سرت  في طاعه iiوسمعه
قوامه   مثل  الأغصان  iiالطوالِ
سقى  الله  طينها  من كل iiفرعه
وله  عينين  صنعة  ذا  iiالجلال
تماوج    دمعها   كرعه   بكرعه
جبينه    مثلما   ضوء   iiالهلال
يعاند   بالمسامر   كل   iiشمعه
وريقه    طب   الأكباد   العلال
عسل جردان صافي وسط شرعه
وعنقه    مثلما    عنق   iiالغزال
نكع  من  قانصه  عشرين iiنكعه

هذا التشبيه الجميل لعنق الغزلا هو في الأساس تشبيه كلاسيكي منذ كانت المرأة وكان الغزال، ولكن الريشة الساحرة ليحيى عمر بثت حياة جدية في المشهد بتصوير عنق الغزال وهو يفقز عشرين قفزة هرباً من الصياد القناص، ولعل الذين يشاهدون أفلام الطبيعة قد لاحظوا كيف يتطاول العنق للنظر إلى البعيد وأخرى حين القفز إلى أعلى وأعلى…ٍ

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s