يحيى عمر قال (7)

ليس عندي شك في أن عصر (يحيى عمر) كان مليئاً بالشعراء الشعبيين والغنائيين في اليمن والخليج وفي شبه القارة الهندية التي يمكن اعتبار العديد من بنادرها الشهيرة آنذاك عربية بصورة من الصور، وخاصة (حيدر آباد) الإمارة الغنية التي قاد جيوشها ثلة من اليمنيين، ومنهم مؤسس الدولة القعيطية في حضرموت الذي حاز ثراءً واسعاً ودهاءً أوسع مكنه من تأسيس سلطنته على أسنة الرماح وأنياب النقود:

فهي اللسان لمن أراد فصاحة وهي  السلاح لمن أراد iiقتالا

ولكن هؤلاء الشعراء رحلوا في الظلال ووقعوا في نسيج العنكبوت حيث مصائد التاريخ التي لا ترحم، فقد طغى ظل (أبو معجب) عليهم وكأنه عصا موسى تلقف ما يأفكون، فسارت بأشعاره الركبان والسفائن في البحار، حتى أصبح الكثيرون يتساءلون.. هل وجد هذا الرجل حقاً أم أنه من نسج الخيال… حاروا في أصله وفصله، وفي حله وترحاله، حتى جاءهم الخبر اليقين من منتدى يحيى عمر الثقافي، الذي يعقد هذه الأيام دورته السنوية في منطقة يافع مسقط راس الشاعر يحيى عمر.

والشهرة التي حازها (أبو معجب) تذكرنا بمقولة ابن جني – إن لم تخني الذاكرة – حين قرض المتنببي وما أحدثه من دويّ في عصره فقال: “حتى جاء المتنبي فملأ الدنيا وشغل الناس” أي أن الناس كانوا يخوضون قبله في شؤون وشجون وحين جاء لم يعد لهم شاغلٌ سواء، وكأن ابن جني قد استقرأ قول أبي الطيب:

وتركك  في  الدنيا دوياً iiكأنما تداول سمع المرء أنمله العشر

لقد ترك يحيى في عصره وحتى الحين دوياً يشير إليه بالبنان بأنه من صانعي اللطائف العذبة، ومنعشي القلوب المتعبة، وله في ذلك طرائف مبتكرة وتوصيفات عجيبة ووصفات محبوكة ومرسومة على حد السكين:

يحيى  عمل  قال  للعشقه  فنون
والعشق  ما  هو بدحراج iiالعيون
بحر  الهوى  راح  به  كم  زبون
وبات يقطف من أخيار الغصون
ماهي  بمن  قد  تعطر  iiوانتعش
ولا   لمن   قد  كثر  فيه  البلش
ذي بات يدحق على رأس الحنش
زهر  البساتين  ذي  يطلع غبش

من هذه التوطئة اللطيفة الخفيفة الظل، الرائقة المعنى، الراقصة الأوزان، المطمئنة القافية، يدلف يحيى إلى تحية المحبوبة، فيرفعها مقاماً علياً، كأنها امبراطورة روما، ولست أدري كيف يمكن لامرأة توصف مثل ذلك الوصف إن لا تسير بين السحاب، وإن ترفض المشي على الأرض، لنستمع إليه:

سلام يا قصر يا عالي الحصون فيك  البنادق  وفيك  أهل iiالنمش

والنمش: هي السيوف القاطعة بلهجة أهل اليمن.

يا من جعيدك له أربع ينسعون وأربع  يلفون  جعدك لا انتفش

والجعد: هو الشعر الكثيف، والنساعة: هي تظفير الشعر في ظفائر وعلى العكس الانتفاش بإرسال الشعر وفق توصيف نزار قباني: “الشعر الغجري المجنون”.

وأربع يصفون وأربع iiيرصفون
وأربع  يحنّون وأربع iiيحجرون
وأربع يرشون لك بالعطر رش
وأربع  يقولون قم سيدي iiتمش

والحجارة أو المحجرة باللهجة الشعبية هي الزغردة في حال الفرح والمسرّة والمناسبات السعيدة.

وأربع   يجيبون  لك  مبخر  iiدخون
وألفين    وأربعمية   ذي   iiيخدمون
خضعوا لك الناس ذي ما يخضعون
وأربع   ينادون   لك  مثل  iiالشوش
سندي    وهندي   وجملتهم   iiحبش
شجعان   وأهل   البنادق   iiوالنمش

وهكذا يأخذ الخيال بـيحيى كل مأخذ كأنه في حلم لا حسيب عليه ولا رقيب، وهو يأخذنا معه إلى مملكته هذه ساعة من زمان ننسى فيها همومنا كأننا في (ألف ليلة وليلة) نهيم مع السندباد في جزر اللؤلؤ والمرجان.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s