فاتسلاف هافيل

فاتسلاف هافيل
فاتسلاف هافيل

لقد تشرّفت الرئاسة بك…
من منكم زار بلاد تشيكيا، واحتك بشعبها اللطيف الودود المتحضّر، وتجوّل في عاصمتها الذهبية براغ، أجمل مدن أوروبا الوسطى، وأكثرها جذباً للسياح بقصورها الفخيمة، وقلاعها الأسطورية، ومتاحفها الغنية، ومعمارها الرائق، وثقافتها الراقية، ونهرها الحاني، يقعطعها هوناً ويسقيها غدقا؟
ولقد زرتها، واستطببت في مصحّاتها، وشربت من مياهها المعدنية الشافية، وتجوّلت في جنانها الطبيعية، ومرابعها الخضراء، حتى شعرت كأنني في وطني وبين أهلي، وهل نحن إلاّ أبناء الإنسانية حيث وُجدت؟ وطاب غرسُها، وعذب ماؤها، وصفت نفوس أهلها؛ فما رمقوا غريباً بنظرة استهجان، ولا اشمأزّوا من مخالفٍ في عاداتٍ وتقاليد، ولا اعتقدوا أنهم قد حازوا الحقيقة، ومن خالفهم اعتبروه مارقاً عن الحق، ومفارقاً للخلق، إن تلك ليست سوى تهيؤات قومٍ جاهلين، لأن الله جلّ وعلا لو شاء لجعل الناس أمة واحدة، وما هذا التعدد في كتاب الكون العظيم سوى التجليات الآلهية التي لا حصر ولا نهاية لها على تعاقب الليل والنهار، وعلى امتداد الأزمان والأكوان {أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها أو آذانٌ يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}.

الرئيس التشيكي السابق (فاتسلاف هافيل) مرآةٌ لبلاده، أو هو بالأصح صورةٌ لها في إنجازاته، في إنسانيته، في صفاء رؤيته، وفي تواضعه الجم، ولقد جاء إلى كرسي الرئاسة غريباً، وتركه بعد 13 عاماً تقريباً (1998 – 2003)، وهو لا يكاد يصدق أنه قد أفلت من الفخ الذي رتّبه له الزمن السياسي، وتلك هي الغربة التي تحدّث عنها أبو حيان التوحيدي، الذي محّص أنواع الغربة وخلص إلى أن أشدها حلكة أن تكون غريباً في ذاتك، وبين جوانحك. لقد تنفس الكاتب المسرحي المرموق الصعداء وهو يتوكأ عصاه ليغادر قصر الحكم في تلك القلعة التاريخية المنيفة المطلّة على براغ الذهبية، فيعود إلى حميمية الشارع والمقهى، وإلى سحر القلم والورق، وإلى دفء الصداقة والعلاقات الإنسانية، وإلى راحة النفس وسكينتها وسياحتها في الكون عبر التأمل والإنسجام، والتقاط الفتوحات الروحية، والنّشوات العقلية، تلك التي لخص محتواها أحد الصوفيين العرب بالقول: “لو يعلم الملوك ما نحن فيه من السعادة، لجالدونا عليه بالسيوف”.

كأن لسان فاتسلاف هافيل – الذي عاد إلى سربه – ما قاله ذلك الشاعر العربي الذي نظر إلى دنياه فلم ير سوى نفوس طامعة، وقلوب هالعة، وجيوش ترحل، وأخرى تقيم، وميادين تتكسر فيها النصال على النصال، فيما الدماء تسيل، والأنفس تختطف، فآثر السلامة والسكينة، معاهداً نفسه:
ولست بسائلٍ ما عشت عمري=أقام الجند؟ أم رحل الأمير؟
هافيل يصف تجربته مع الحكم، لا كما يصفها البعض من “سوبرمانات” العرب، الذين تعجّ بهم الفضائيات، ولنستمع إليه في كلمته الوداعية، يخاطب مستمعيه:
“أتساءل… هل تغيرتُ بسبب الرئاسة خلال ثلاثة عشرة عاماً تقريباً؟ وهل غيرتني التجارب الهائلة التي عشتها خلال فترة رئاستي التي تزامنت مع اضطرابات عالمية كبرى؟ وعند محاولة الإجابة على هذا التساؤل اكتشفت شيئاً مذهلاً، رغم أنه من المتوقع أن تكون هذه التجربة الغنية قد أعطتني الكثير من الثقة بالنفس، فإن العكس هو الصحيح. في فترة رئاستي أصبحت أقل ثقة بصورة كبيرة، ومتواضع أكثر من ذي قبل، قد لا تصدقون ذلك، ولكن كل يوم يمر كنت أعاني من رهبة الجماهير، كل يوم أصبح أكثر خوفاً أن لا أكون أهلاً لعملي، أو أني سوف أشوّه صورة الرئاسة، كل يوم تصبح كتابة خطبي أكثر صعوبة، وعندما أكتبها أكون خائفاً جداً من تكرار نفسي. كنت خائفاً من الفشل الذريع في تحقيق التوقعات، ومن أن أكشف عدم وجود خبرة لديّ للرئاسة، ومن أني – رغم نيتي الحسنة – سوف أرتكب أخطاء لا مثيل لها، ومن أن أصبح غير جدير بالثقة، وكلما زاد عدد أعدائي كلما أصبحت في صفهم أكثر داخل عقلي، وبذلك أصبحت أسوأ عدو لنفسي”.

هذا ما يمكن أن نسمّيه “تقوى الحكم” ورُهاب المسؤولية، ومراقبة ضمير حي لصاحبه ولعلمه، ولا يتأتّى مثل هذا التسامي إلا من ثقافة إنسانية راقية، ترى السلطة تكليفاً تستشعر مسؤوليته ليلاً ونهاراً، كما يقول سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه “لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله تعالى عنها لم تمهد لها الطريق يا عُمر؟”

هذا هو صاحب “الثورة المخملية”، التي لم يحمل ثوّارها سوى الشموع، ينيرونها في حالك الليل، حتى سقط الحكم المستبد، فأشرقت الشمس، ورحل الظلام.
ويا فاتسلاف هافيل: لقد شرّفت الرئاسة بقبولك لها في ظرف عاصف، وها أنت ذا تشرّفها بالرحيل عنها بكل هذا النبل واللطف.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s