أحزان عمّان (26)

كان (البردّوني) أشبه بجسّاسي المياه التي يرونها ويسمعون خريرها في أعماق الأرض، ولكنهم لا يستطيعون الوصول إليها، وقد يموتون من العطش، لذلك فإنه قد أخذ على عاتقه التبشير بالخصب القادم، بالربيع الذي يولد من صقيع الشتاء، بالإنسان المتمرّد على قيوده وسجّانيه. وكان هو يجسّد في مسيرته الشخصية ومعاناته البطولية ذلك النموذج القادر على تجاوز درب الآلام، فقد علّم نفسه في أسوأ ظروف يمكن تخيّلها، فجاء آية في النابغين، أشبه بالصّلب النقي الذي تخلص من أدران الحديد وقابليته للفساد، نعم: أصبح (البردّوني) الأعمى أكثر الرائين رؤية، ينظر للجميع بالنيابة عن الجميع، ولطالما كان يستشعر نفاذ البصيرة لديه، فيضحك من سذاجة المفتّحين، فيردد البيت الشهير

أعمى  يقود  بصيراً  لا  أبا iiلكم
قد ضلّ من كانت العميان تهديه

ولا والله ما قاد الناس إلى ضلالة أبداً، فقد كان بمثابة الضمير الجماعي الذي صقلته تجارب العصور، والذي لا يخدعه الآتي والمؤقت عن الجوهري والمستمر. ولأنه نذر نفسه لكفاح لا هوادة فيه، فقد كانت المسرّات والأحزان تتساوى في عقيدته التي تستطيع تصنيفها بثقة بأنه متفائلة بطاقات الحياة الخلاقة، وبقدرات الإنسان غير المحدودة على تجاوز العثرات، بل وتحويلها إلى انتصارات، حتى وإن كانت تتجرع كؤوس الموت الصّاب والعلقم:

تسلياتي   كموجعاتي  iiوزادي
مثل جوعي وهجعتي كسهادي
وكؤوسي  مريرة مثل iiصحوي
واجتماعي  بإخوتي  كانفرادي
والصداقات  كالعداوات iiتؤذي
فسواء من تصطفي أو iiتعادي
إن  داري كغربتي في iiالمنافي
واحتراقي   كذكريات   iiرمادي
يا  بلادي  التي يقولون iiعنها
منك  ناري ولي دخان iiاتقادي
العصافير  في عروقي iiجياعٌ
والدوالي   والقمح   في  iiوادي
هذه    كلها   بلادي   iiوفيها
كلي  شيء  إلا  أنا  iiوبلادي

يالها من سخرية مريرة تعادل مرارتها قوّة الحلم، وفاجعة الانتظار المخيّب لكل الآمال، فكل شيء موجود في الوطن إلاّ الإنسان والوطن… هل ترى هذه الرؤية تشمل العربي من المحيط إلى الخليج؟ ربما…

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s