أيام في الأردن 6

يبدو أن قضية الكتـّاب الأردنيين المُضربين عن الطعام منذ حوالي الأسبوعين احتجاجاً على البطالة (بطالتهم الشخصية وليس البطالة العامة) وتطلباً للعمل (أي عمل… دون شروط أو ذلك ما ظهر حتى الآن) يبدو أن القضية في طريقها إما إلى الحل وإما إلى الحلحلة. ففي الأولى (الحل) ستكون سابقة وهي مما لا ترضاه الحكومة. أمّا الثانية فستكون من ضمن (زكاة الجاه) وهي سنة محمودة في كل الأوقات، وإن كان بعض الذين ركبوا الموجة ممن “لا ناقة لهم ولا جمل” في الموضوع لن يرضوا عن الحلحلة بينما كانوا يترقبون حلاً يسمح لهم بإنشاب أظافرهم في رقبة أي كان وفي أي زمان ومكان.

والحقيقة أنه بينما كان زملاؤنا الكتّاب المساكين – وإن كان البعض لا يعترف لأكثرهم بالصفة الأولى ويسبغ عليهم الصفة الثانية بإطمئنان – يأكلون عصي الجوع الطوعي، كان كثيرون يعدّون تلك العصي ويشجعونهم على الصمود بينما هم يفكرون بالوجبات الدسمة التي تنتظرهم في بيوتهم، ويحلمون في ذات الوقت بالعناوين التي ستنشرها صحف الصباح عن المتضامنين الميامين – الذين أشك أن واحداً منهم قد مدّ يده إلى جيبه لكي لا تعلم شماله ما أعطت يمينه. وعلى كل حال، فإن هذا الأمر مألوف في عالم السياسة العربية مثلما هو الحال مع الجنود الغلبانين في حروبنا الخاسرة، والذين يصلونها ناراً وسعيراً بينما تهبط على أكباد السياسيين برداً وسلاماً.

وكم كان المرء يتمنى لو أن زملاءنا المغاوير من الكتاب كانت لديهم قضية أكبر ولو قليلاً، وأعم ولو يسيراً على أساس أن هذا المرتقى يليق بالإبداع والمبدعين، ومع أنني غير ملمٍّ بأرقام البطالة والمتبطلين وأحوال الفقر والفقراء – وهما قضيتان تشغلان الأردن الرسمي والشعبي – إلا أنني أمس الأول وقعت على إحصائية تخص شريحة صغيرة جداً هي أطباء الأسنان المؤهلين والذين يعتبرون في كل بلدان العالم من النوادر التي يُبحث عنها بالسراج في عز النهار على طريقة حكيم اليونان الشهير، ومع ذلك فقد جاء في الأخبار الصحيحة أن عدد العاطلين منهم 500 بالوفاء والتمام، وهو عدد يكفي لمعالجة أسنان سكان بلد كامل، وقد تصورت لو أنهم اعتصموا بالجوع حتى الموت ولحقهم السابقون والتابعون من مختلف الشرائح إذا لكان على (الروابدة) أن يحمل عصاه ويرحل تحت جنح الظلام، لأن الحل الوحيد سيكون طرد العاملين لتشغيل المتعطلين، الأمر الذي ينذر بحرب وظيفية لا تبقي ولا تذر.

أعجبني زميلنا (فخري قعوار) رئيس رابطة الكتاب الذي تعاطف بعد لأيٍ وانضم إلى الجائعين ولكنه لم يعتصم لأنه مشغول، وبالتالي فإن جوعه كالصيام أمر بينه وبين ضميره وربه، وبهذه البادرة شق طريقه إلى مكتب رئيس الوزراء لطبخ الحلحلة في صورة الحل.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s