الحسن الثاني

الأسد والرحى (1)

الحسن الثاني
الحسن الثاني

 عمّ الحزن المغرب الشقيق من طنجى إلى مراكش إلى فاس إلى وجدة إلى الناضور إلى القنيطرة إلى سلا إلى تطوان إلى الرشيدي إلى السمّار إلى أزمور إلى مكناس والدار البيضاء وجبال أطلس والصحراء، وحتى صخب الأمواج والمياه الزرقاء على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي.

حزنٌ وفقد ولوعة وفراق ليس بعد إياب، وذلك أكثر أنواع الفراق إيلاماً للنفس البشرية التي تألف ملوكها ورؤساءها المحبوبين كما يألف البحارة إضاءات الفنارات البحرية التي تبعث في نفوسهم الطمأنينة، وتبث فيهم الثقة، وتشعرهم بالأمان وباقتراب شواطئ المحبين، والقرب من أنفاس الأهل وروائح الوطن ومرافئ السلام والمستقبل.

ولقد كان جلالة الملك الحسن الثاني يعي رسالة الحب بين الحاكم والمحكوم، وينظر ببصيرة حاذقة إلى أهمية التواشج والتواصل مع الشعب، وله في ذلك كلمات مشهورة يقول فيها: “إن أخطار السلطة كثيرة، لكن أخطرها بلا شك هو ألا يكون هناك تجاوب بين الحاكم والمحكومين، وهذا قد يحدث، والخطأ دائماً يكون خطأ الحاكم، والحقيقة أن 26 مليون مغربي لا يمكن أن يجدوا أنفسهم هكذا فجأة غير متجاوبين مع شخص واحد، فذاك سيكون خطأً قاتلاً”.

والمهم الإشارة هنا إلى أن ثمانين بالمائة من الشعب المغربي قد ولدوا في فترة حكم الملك الراحل التي بلغت ثمانية وثلاثين عاماً، وهو يعدّ بين أكثر ملوك الأرض في هذا القرن استقراراً على العرش.

وكان الملك الراحل يدرك الخريطة الجيو-سياسية لبلاده، ويتعامل معها برهافة وصبر وعلم الطبيب الماهر، كما يضعها دائماً في صلب تفكيره المستقبلي، فالمغرب حسب تعبير جلالته: بمثابة فسيفساء بشرية وجغرافية، فقد حباه الله تعالى بتنوع رائع، لأنه يزخر من الناحية الجغرافية بصحراء شاسعة، وواحات نخيل وارفة الظلال، وثلوج تكسو جباله، وسهول خصبة، فضلاً عن سواحل مترامية الأطراف على المحيط الأطلسي والبحر المتوسط، ولا ينقصه إلا صقيع القطب الجنوبي”.

لذلك فقد كان من أحلامه الكبيرة تحقيق اللامركزية في إدارة شؤون البلاد “لأترك يوماً الجهات تتمتع باستقلالية كبيرة على شاكلة المقاطعات الألمانية (لاندر)، وذلك سيكون بالتأكيد في مصلحة المغرب” .

وفي ظل هذا التنوع وهذا الاتجاه – الذي أثمر عن تجربة ديموقراطية دستورية مؤسساتية غير مسبوقة عربياً – فإن الملك كان يدرك دور المركزية ومسؤولية نظام البيعة الملكي، ومن هذه الزاوية كان يرى بأن المغرب “مثل أسد يجب ترويضه بوثاق جيد”، ولكنه – في تقديري – الربط الذي يشبه تشديد الأب على الأبناء، ذلك أنه حسب تعبير جلالته: “إن الطير إذا وضعته في القفص يكف عن الغناء”.

وقد كانت مسيرة جلالته في السلطة هي موازنة هذه المعايير، فالسُّلطة حسب تعبيره: |شبيهة بالرحى، فإن لامسها المرء بلطف صقلته، وإن هو على العكس ضغط عليها بقوة مزقته إرباً إرباً” .


مؤسس المغرب الحديث

25 يوليو 1999

كأنما القرن العشرين لا يريد أن يودّع دون أن يسحب في مغيبه بعض أبرز الأضواء التي نسجت أرديته الذهبية، وشهدت مآسيه، وعاصرت أحداثه الكبرى، ولعبت في ساحاته أبرز الأدوار، وتزيّنت بالأوسمة والنياشين والابتسامات، كما عرفت الدموع والأحزان والخيبات ولظام الخيانات، وظلال الجحود والنكران.

ولقد كان الراحل الكبير جلالة الملك الحسن الثاني ملك المملكة المغربية – كما كان سميّه الراحل الملك حسين ملك المملكة الأردنية – علامة مضيئة في مغرب الوطن العربي الكبير، كما كان الثاني في مشرقه، وها قد رحلا قبل أن يرحل القرن بهنيهات قليلة هي في عمر الزمن أقصر من غمضة عين.

ولولا أننا نعي جسامة المهام التي تولاها الملك الراحل في فترة تاريخية عصيبة، وعلو كعبه وتعدد مواهبه، وبروز إنجازاته التي ستظل لزمن طويل في صلب تكوين المغرب الحديث لكنا رددنا مع (شكسبير) في (ماكبث):

“ما الحياة إلا ظل يمشي، وممثل مسكين، يقضي ساعته على المسرح ثم يمضي، إنها حكاية يرويها معتوه، مليئة بالصخب والعنف ولا تعني أي شيء”.

نعم: حين يمضي الكبار يشعر المرء شعوراً عميقاً بهشاشة الحياة المادية، ورمزية الوجود الإنساني فيها، فالذي يبقى – إذا كان يبقى حقاً – هي الأعمال التي تستمر، والمُثل التي تنمو فتثمر، وإضاءات السلوك الإنساني التي تُلهم الأجيال الجديدة المتعاقبة.

لقد عاش الملك الراحل حياة مليئة بالصخب والعنف، مليئة بالثقافة والعلم، مليئة بالتحدي والإنجاز، مليئة بالطموح والتطلعات الكبرى، مليئة بالحكمة والرويّة، والقرارات الشجاعة، والمعالجات بعدية النظر لقضايا بالغة الخطورة وشديدة الحساسية، مثل العلاقات العربية-الإسرائيلية، العلاقات مع الجزائر وليبيا، الإتحاد المغاربي الكبير، الصحراء المغربية، الأراضي المغربية المحتلة في سبتة ومليلية، العلاقات عبر المتوسط مع أوروبا، مصائد الأسماك، وأخيراً الديموقراطية داخل البيت المغربي، التي يعتبرها المراقبون من أهم إنجازاته في مختتم حياته العريضة، حيث اتجه إلى بناء دولة المؤسسات، وولى قطباً معارضاً إدارة الحكومة المغربية.

رحم الله الملك الحسن مؤسس المغرب الحديث، وأحد الأقطاب العرب الذين كانت تهوي إليهم الأفئدة في الملمّات، لأنه وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر، وليشد العرب جميعاً أزر الملك الجديد محمد بن الحسن، كما شدوا أزر أخٍ له من قبل الملك عبدالله بن الحسين في الأردن، ولا نقول أمام قضاء الله وقدره سوى: إنا لله وإنا إليه راجعون.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s