أوراق المفرق – 12

للقراءة في المستشفى مذاقٌ آخر، تُفْسِحُ العجلة مكاناً للتأني، ويُفسِحُ الانطباع السريع المتلاشي مكاناً للتأمل وقراءة ما بين السطور، فالكمة أحياناً تختزن شحنة بالغة القوة تحتاج إلى خبير في تفكيك المتفجرات وإلاّ انفجرت بين يديك، وأحياناً تدوي كالجرس المعلق على سفح جبل، تُردِّدُ صدى دقات الوديان، وأحياناً تكون لطيفة كالنسمة أو كأشعة الصباح الأولى تتسلل إلى غرفة نومك من دون أن توقظك مباشرة ولكنها تحيطك بالنور وتغمرك فيه.

في يومي الأول بالمستشفى أتيت على الجرائد المحلية أثناء الانتظار الطويل وتوقفت طويلاً أمام التغطية الصحافية للجلسة الأخيرة لندوة (الأداء الحكومي المتميز) التي عُقدت في (دبي) وخاصة إشارة وردت في مداخلة وزير المواصلات معالي أحمد حميد الطاير جاء فيها: “سمعت من محطة الراديو وأنا في طريقي لحضور الندوة إشادات كبيرة بالإنجازات المتحققة على صعيد الإمارة سادها نوع من التضخيم، فكثيرٌ مما يُبثُّ في الإعلام يحاول إظهارنا أكبر من حجمنا، وأرجو أن لا نصل إلى مرحلة الغرور”.

ومن دوك شك فإن هذه الملاحظة ليست وليدة اللحظة ولا هي رمية من غير ام كما يقال في الأمثال، والشاهد هنا أن الإعلام إذا احترف “التطبيل والتزمير” لسبب ولغير سبب فإنما هو بذلك يتنازل عن رسالته في (التنوير)، وهو بذلك مثل الذي يسلك طريقاً في اتجاه واحد سوف يقوده إلى خارج الحدود “حدود أي شيء وكل شيء” ذلك أن من طبيعة العقل الإنساني الرؤية الشاملة التي ترى مختلف الأبعاد وترى مناطق الظل والضوء، الأمر الذي يساعد صانع القرار على تقييم الموقف بصورة صحيحة. وأظن أن الزملاء من الإعلاميين الذين شهدوا الندوة أو تابعوها قد التقطوا ما بين سطور كلمات معالي الوزير الذي يريدهم فعلاً أن يستخلصوا النتائج المناسبة، علماً أن هذا الموضوع لا يخص الإعلاميين وحدهم حيث درجت دوائر عديدة على النظر إلى نفسها وأدائها بمنظار التطبيل والتزمير والمكياج الكثيف، وهي تستشيط غضباً وعلى استعداد لأن تقلب “عاليها سافلها” إذا ما تحدث أحدٌ عن سلبية، مع أن ذلك من طبيعة الأمور، وهي تدري في لاوعيها إن لم يكن في الوعي الصريح أن “صديقك من صَدَقَكَ لا من صدّقك” وأن “عدواً عاقلاً خيرٌ من صديقٍ جاهل”.

وللحق فإن الإعلام في دولة الإمارات العربية المتحدة لم يعرف مساحة للحرية المسؤولة تفوق ما يعيشه الآن، وأتذكر سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان قد اضطر ذات يوم إلى تعريض الإعلاميين وهو ينعي عليهم ترددهم على ممارسة حريتهم والنهوض بدورهم. والكرةُ الآن في ملعب رجال الإعلام الذين عليهم أن يلتفتوا يميناً ويساراً وأماماً وخلفاً ليرسموا صورة واقعية خلاقة للأرض التي يسيرون عليها.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s