أوراق المفرق – 7

لعل بعض القراء الذين بتابعون هذه الزاوية يتذكرون أنني تحدثت الخميس الماضي عن أكل (مستشفى المفرق)، وبالنسبة لنا أعضاء (نادي السّكَّر)فإن الجوع هو بعض العلاج مثلما هو المسك (بعض دم الغزال) على حد تعبير (أبي الطيب المتنبي)، وصدق رسولنا الكريم القائل: “صوموا تصحوا”. وللحق فإن أكل مستشفى المفرق في العموم يرقى إلى مستوى (خمسة نجوم) وفق الإصطلاح الفندقي بغض النظر عن الكمية، مع أنه في المطبخ كما في عالم الطباعة: كلّما زاد الانتاج قلّت الكلفة، أي أن معلقتين إضافتين من الرز على سبيل المثال لن يكلفا شيئاً يذكر في تلك (الهلما) العظيمة التي تجلجل بها العربات الفخيمة التي تحمل الصواني في مواعيد تستطيع أن تضبط عليها ساعتك. وقد قلت لزميلي في الغرفة (الحاج أحمد) الذي يتذكر على الدوام أطباق الفول المدمّس والطعميّة و “الذي منه” عند الإفطار، ويتذكر فتة الكوارع والملوخية بالأرانب في الغداء، والذي قال لي حكمته الشهيرة منذ اليوم الأول: “اللي ما ربته أمه يربيه مستشفى المفرق”، قلت له: “خلي بالك… الأكل محسوب بالسعرة الحرارية الواحدة، وهو جزء من العلاج، ومهما كنت فهيماً يا حاج لن تعرف أكثر من الأطباء وأخصائيي التغذية”.

نظر الحاج أحمد إليّ كمن يرثي لحالي وقال: “لو كان الأمر كما تقول يا فهيم ما كانوا عملوا درجتين للأكل: عادية، وخصوصية”.

طبعاً لم أصدقه وقلت له: “هذه أوهام، ولكن ربما اختلف الأكل باختلاف المرض، لأنه في تقديري فإن الناس مثلما هم شركاء في ثلاثة وفق الحديث النبوي الشريف: الماء، والكلأ والنار، فإنهم في حال المرض يكونوا شركاء في اللقمة الهنية التي قال الأغنية عنها أنها “تكفي مية” ولا يمكن لمضيف أن يحابي بعض ضيوفه على بعض إلا إذا كانوا لا يرون بعضهم، وحتى في هذه الحالة ففي المسألة قولان كما يقول الفقهاء.

ومن شدة قهر (الحاج أحمد) من مماحكاتي أخذني من يدي وأراني الصواني المختلفة في كل شيء والتي تغيض بالأكل المرتجع، وتلك التي لا تحتاج إلى غسيل بعد أن نظّفها أصحابها بأصابعهم قبل ألسنتهم، وحين سألت إحدى الممرضات عن هذه النعمة التي حرمنا منها أنا وصاحبي قالت لي: “لازم تجيب توصية من الإدارة، وبعدين نسجّلك مع جماعة الـ VIP…” قلت لها: “أفضل قطع لساني على أن أطلب تمييزي عن الناس، ألم تسمعني قول (المعرّي):

فلا نزلت عليّ ولا بأرضي=سحائب ليس تنتظم البلادا”

لم تفهم الفلبينية شعر (رهين المحبسين) واعتبرت (رطني) نوعاً من الهلوسة، والتي تنتاب بعض المرضى، وحمدت الله الذي لا يحمد على مكروهٍ سواء على ما قسم لنا، وقد قيل قديماً: “إن الغنى هو عن الشيء لا به”.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s