أوراق المفرق – 3

لم أكن مغالياً حين شبّهت مكتب محمد الجابري نائب المدير في مستشفى المفرق بالرمال المتحرّكة التي كادت أن تقضي على (عنترة بن شداد) وهو يغوص في كثبانها مع حصانه الأبلق، كأنما يغوص في لجج بحر الظلمات، وذلك سعياً وراء مهر (عبلة) المستحيل من النياق الحمراء التي هي أندر من الكبريت الأحمر في زماننا؛ ذلك أن مكتب الجابري هو ملتقى أصحاب الحاجات وطالبي الوساطات والتسهيلات، وهناك يختلط الحابل بالنابل، لأن الرجل قد اختار – سواء برضاه أم غصباً عنه – أسلوب الإدارة الشعبية، وهي سلاح ذو حدين، كما يعرفها كل من عاناها، لأن إرضاء جميع الناس غاية لا تدرك، ولا يشبه صاحبنا في (وكسته) هذه على حد تعبير (محمود السعدني) غير الدكتور (عثمان) في مستشفى الجزيرة، فقد بلغ الحال بالدكتور (عثمان) أنك لو قابلته على الكورنيش أو في الشارع أو في حفل استقبال وقلت: “السلام عليكم يا دكتور عثمان” لوجدته ينتفض وهو يرد عليك: “يا أخي خلّصني، إيش تريد، ليش ما في حد غيري في المستشفى” فتقسم له بأغلظ الإيمان أنك لا تريد منه شيئاً ولا تريد به شراً، وإنما هو السلام لله، ساعتها قد يرد عليك بابتسامة حذرة: “طيب ليش ترد السلام إذا ما في لك طلب” ثم يجأر بالشكوى: “يا أخي أحرجونا عباد الله”.

الشاهد أن التطواف والترحال انتهيا بي إلى مكتب الجابري، وقد استطعت عبور (البرزخ) حيث يوجد مجلس السيدات اللواتي يعملن بلا كلل وبلطافة ملحوظة، وإن كنت تشعر أنهن بحكم التجربة قد أدركن عجزهن عن وقف سيل أصحاب الحاجات الذي لا ينقطع، لذلك لا يجدن حرجاً في أخذ بعض نصيبهن من الدردشة النسائية المصحوبة ببعض المأكولات والمشروبات، ذلك أن صاحبات الحاجات لا يستطعن مزاحمة الرجال، فيقتعدن ذلك المجلس الواقع بين غرفتين يتنقل بينهما (الجابري)، وهو الأمر الذي حُرم منه الدكتور (عثمان) المحاصر بين أربعة جدران صمّاء.

 

لَكَم أشفقت على (الجابري) وهو يرد على تليفونين في آن واحد ويضطرب تحت أشعة ليزر من عشرين عيناً تحثه إلى إنهاء مشاكلها في الوقت الذي يرفع فيه عشرات المعاملات ويكدّس بجانبه عشرات الملفات، وقد رأيته فعلاً يغطس ويغطس في الرمال المتحرّكة، فتذكرت (شيبوب) على أن (شيبوباً) كان يتعكز بـ(عنتر)، أما (الجابري) فأمامه ألف (أبو زيد الهلالي) من عاصري الأشناب، قلت لنفسي: “ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه” أما صاحبي هذا فيحتاج إلى عشرة قلوب، وفي عصر الكمبيوتر حيث الزمن يحسب بأجزاء الثواني فإنه لا معنى ولا فائدة ترجى لمثل هذه الأساليب الإدارية.

أخيراً وجدت لي “مطرح عنزة” وكانت الساعة حوالي الثانية ظهراً وقد فتك بي الجوع وأنا كما تعلمون “راعي سكر” فأخذت أرتجف في طريقي إلى المصعد، فإذا أنا أمام “شرّ البلية” و “شرّ البلية ما يضحك” ذلك أن التعليمات المكتوبة باللغة العربية على المصاعد لو كتبها تلميذ في الأول ابتدائي لجلده المدرس سبعين جلدة، وقد استنسخت النص العجيب كما يستنسخ علماء الآثار النقوش الهيروغليفية والمسمارية وخط المسند…

فإلى الغد…

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s