رسول حمزاتوف

رسول حمزاتوف
رسول حمزاتوف

بحثت عن كتاب الشاعر الداغستاني الكبير رسول حمزاتوف المعنون (بلادي…داغستان) في معرض الكتاب الأخير فلم أجده، وقد قال لي الناشر ببساطة: “هذه المرة لم نحضر كتاب رسول معنا، إن شاء الله في المعرض القادم”.
هل عليّ أن أنتظر عاماً كاملاً لأقرأ هذا الكتاب البديع الذي قرأته ذات مرة منذ زمن طويل وعلى عجل، فامّحت رسومه من ذاكرتي، ولكن بقي عطره وشذاه، وتلك الروح العظيمة في بساطتها، البسيطة في عظمتها، والتي كتب بها رسول حمزة أنشودة الحب لجبال داغستان وسكانها وعاداتها وتقاليدها، لتصبح داغستان – عقب صدور كتابه وترجمته إلى مختلف اللغات الحية – كياناً نابضاً بالحياة، معروفاً في كل مكان، ووعاءً مليئاً بالحكمة، والفطرة السليمة، وتميّز الهوية الثقافية.
وتلك فيما أعتقد أعظم رسالة يؤديها الكتّاب الملهمون المبدعون، فبفضلهم يصبح العالم أكثر غنىً، وأكثر تنوعاً، ويصبح كل جزء منه قريباً من قلب الإنسانية أينما كانت، وذلك هو بالضبط ما فعله رسول حمزاتوف، الذي رسم لنا بلده داغستان بعد أن غمسها في أشواق قلبه، وأنطقها بديع شعره، وألبسها أزهار وينابيع الجبال، كما استصفى حكاياها الساذجة، واستوحى شخصياتها المحببة التي عاصرها وعايشها، فجعلنا نعيش معهم في الخيال والرؤية، متمنين لو عايشناهم في الواقع والحقيقة، بعد أن نقل داغستان إلى قلوبنا كقراء، وجعلها جزءاً من مشاعرنا.
المهم أنني عثرت على هذا الكتاب لدى الصديق الرسام مصطفى رحمة، فأسعفني به مشكوراً، وأخذت أقرأ مغتبطاً وأنا أفكر في مشاركة القراء فيما قرأت، لعلّهم أن يسعدوا كما سعدت، وقد يفكر أحدهم ذات يوم فيقتني الكتاب ليكون في بيته أحد فوانيس المعرفة الصافية العذبة كينابيع لجبال، وقد يجتذب ذلك الضوء الأنيس المترف بعض أطفاله، فيعرفون عالماً من الهدايا الثرية غير تلك الدمى الصماء والأجهزة الناعقة ليل نهار.
يقول رسول حمزة كأنه يقدم كتابه: “ذات يوم علّق جبليّ في أذني بقرته قرطين، ليستطيع بهما تمييزها عن سائر البقرات، وذات يوم علق جبليّ في عنق حصانه أجراساً لكي لا يختلط بخيل جيرانه، لكن الفارس الذي لا يعرف – حتى في الليل الأليل – حصانه المفضل فارسٌ سيءٌ جداً.
ويعلق رسول حمزة: “وهذا هو كتابي لا أريد أن أعلق عليه قروطاً ولا أجراساً ولا زخارف… أريد أن يقول من قرأه فوراً – حتى إذا كان غلافه منزوعاً – إن هذا الكتاب كتبه رسول، إبن حمزة، من قرية تسادا”.
يا ترى… كم من كتّابنا يمتلكون الشجاعة للتخلي عن الأقراط والأجراس، التي يعلقونها في آذانهم ورقابهم، ليظهروا على سجيّتهم وفطرتهم، فيصبحوا قريبين من قلوبنا؟


رسول حمزاتوف (2)

22 مارس 1999

من قصص رسول حمزاتوف في كتابه (بلادي… داغستان) تلك الأمثولة الساذجة الجميلة التي تقع في القلب موقع الحكمة، وتلهم العقل بصيرة الرؤية، وتؤكد – شأن كل التجارب الإنسانية – أنه في الأخير لا يصح إلا الصحيح، وإن الثعالب مهما أوغلت في كرم العنب فإن الدوالي قادرة على إعادة تمثيل قصة العطاء والنماء. فالثعالب قد تعيث فساداً وقد تلتهم حتى تبشم فتموت من التخمة كما قال أبو الطيب “حتى بشمن وما تفنى العناقيد…”.

يقول رسول حمزاتوف: “روت لي أمي قصة الثعلب والطائر، إليكموها… في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، كان طائرٌ يعيش فوق إحدى الأشجار، وكان له عش متين ودافئ يفرخ فيه صغاره، كان كل شيء على ما يرام، حتى أتى ذات يوم ثعلب وجلس تحت الشجرة وأخذ يغني: هذه الصخور كلها صخوري، وهذا الحقل كلّه حقلي، وهذه الأرض كلها أرضي، في أرضي نمت شجرتي، وعلى شجرتي بنيت عشك، فأعطني لقاء ذلك واحداً من صغارك وإلا قطعت الشجرة وأهلكت صغارك كلهم”، وأعطى الطائر للثعلب أصغر أبنائه كي ينقذ شجرته وعشه وبقية صغاره. وأتى الثعلب في اليوم التالي، وأخذ يغني أغنيته من جديد، واضطر الطائر أن يضحّي بصغيرٍ آخر، ولم يعد لدى الطائر من الوقت ما يكفي لبكاء أبنائه، فما أن يَطلّ يوم جديد حتى يأتي الثعلب. وعرفت الطيور بما حلّ بصاحبها، فأتت تسأله الخبر، فروى لها الطائر الغبي ما حدث له، وعندئذ غنت له الطيور، أنت أنت المذنب، أيها الطائر الغبي، لقد خدعك الثعلب الماكر… بماذا يقطع الشجرة؟ بذنبه! كيف يصل إلى صغارك؟ بذنبه! أين فأسه قل…؟ أين منشاره… قل؟ ومن ذلك الوقت عاش طائرنا في سلام… إلا أن الثعلب لم يعرف بشيء مما حدث، وعاد في اليوم التالي يخوّف ويتوعّد ويطالب بضحية جديدة، ومن جديد أخذ يغني بأنه سيقطع الشجرة ويهلك الصغار، لكن الكلمات التي كانت تلقي الرعب في قلب الطائر بدت له الآن كلمات مضحكة متبجّحة فارغة، وأجاب الطائر الثعلب: “هذه الشجرة جذورها في الأرض، فهات معولاً لتجتثها، هذه الشجرة متينة الجذع، فهات فأساً لقطعه، إن عشّي فوق أغصانها العالية، فهات سلماً لتصل إليه، ابتعد الثعلب عن الشجرة بقرني حمار، كما يقال، ولم يعد إليها بعد ذلك.

رسول حمزاتوف في كتاباته يجد الشعر في كل مكان، ويغترف الحكمة من كل قلب، وكل ذلك قريب منه، وفي متناول يديه، في أفواه الناس، وفي حكاياهم الساذجة، في النار المشتعلة فوق ثلوج الجبال، وفي تلك النيران الأخرى المشتعلة بالحب الذي يصفي الأدران ويطارد الأحقاد ويكشف الزيف والمزيّفين، فـ “ليس التكحل في العينين كالكحل”.


رسول حمزاتوف (3)

23 مارس 1999

يقول شاعر الإسكندرية اليوناني كفافي: “إذا كنت قد خرّبت بيتك الصغير في هذا الركن من العالم، فإن الخراب سيلاحقك حيثما رحلت”، أما شاعرنا رسول حمزاتوف فإنه مثل نسر الجبال الضخم، يحمل وطنه على جناحيه، ليقدمه إلى سائر العالم، حبيباً، دافئاً، شجاعاً، مضيافاً، مقاتلاً، بسيطاً، وقبل كل شيء إنسانياً. يعمل في رسم صورة وطنه مثلما يعمل الراعي حين يطمئن على قطيعه، فيقتعد صخرة مشرفة، ثم يخرج شبابته ليبثها أشواق قلبه ومكنونات عواطفه. رسول حمزة لم يخرّب بيته الصغير في ذلك الركن من العالم، ولذلك لم يلاحقه الخراب، ولقد حفظ لنا في كتابه (بلادي… داغستان) حفنة من اللآلئ النادرة، تصلح أن تكون عقداً فريداً على جيد حسناء، وتصلح أن تكون كنزاً ثميناً في صندوق مسحور، وتصلح أن تكون في متحف الإنسانية العظيم إشعاعاً لا يطاله الزمن، ولكنها تصلح أكثر أن تكون كما هي: هذا الحب الدافئ، والنغم الشارد، والشعر العابق. وإليكم ما كتبه رسول إلى قريته:

“قرتي العزيزة تسادا، ها أنا ذا قد عدت إليك من ذلك العالم الضخم الذي رأيت فيه الكثير من العجائب، لقد زاغت عيناني من فيض ما فيه من جمال من دون أن تعرفان أين تستقران، كانتا تنتقلان من معبد رائع إلى آخر، ومن وجه إنساني رائع إلى آخر، لكني كنت أعرف أنه مهما كان الذي أراه اليوم رائعاً، فسأرى في الغد ما هو أروع منه، فالعالم كما ترون لا نهاية له.

فلتغفر لي معابد الهند، وأهرامات مصر، وكاتدرائيات إيطاليا، ولتغفر لي طرقات أميركا العريضة، وأرصفة باريس، وحدائق إنكلترا، وجبال سويسرا، لتغفر لي نساء بولونيا واليابان وروما، لقد نعمت بالنظر إليكن، لكن قلبي كان يخفق بهدوء، وليس بالقدر الذي يجف فيه فمي أو يدور رأسي.

فلماذا خفق قلبي الآن في صدري، حين رأيت من جديد هذه البيوت السبعين التي تأوي إلى سفوح الجبل، فغامت عيناي، ودار رأسي كأني مريضٌ أو سكران؟

هل هذه القرية الداغستانية أروع من البندقية أو القاهرة أو كالكوتا؟ وهل الفتاة الأفارية التي تسير في الطريق الجبلي وهي تحمل حزمة حطب أروع من الإسكندنافية الشقراءة المشيقة؟

أي تسادا… ها أنا ذا أهيم في حقولك وندى الصباح البارد يغسل قدميّ المتعبتين، ثم لا أغسل وجهي بمياه السواقي الجبلية، بل بماء الينابيع.. يقال يمكن للرجل أن ينحني على ركبتيه في حالتين: ليشرب من العين، وليقطف زهرة، وأنت عيني يا تسادا… ها أنا ذا أركع أمامك وأنهل من ينابيعك فلا أرتوي”.


عصفورٌ في اليد…

25 مارس 1999

يبدو أن زميلي الرسّام المعروف في مجلة ماجد الأستاذ/ مصطفى رحمه قد أصابه القلق على كتابه الذي أعارني إياه مشكوراً، والمعنون (بلادي… داغستان) لمؤلفه شاعر داغستان الأشهر رسول حمزاتوف، وربما خطر بباله – وقد رأني أكتب عن الكتاب وصاحبه لعدة أيام متتابعة – أن الكتاب قد وقع من نفسي موقعاً قد لا أستطيع معه مفارقته، فقرر – من باب الإحتياط – وضعي أمام مناورة بارعة يعتمد تكتيكها على الترغيب والترهيب، أما غايتها الإستراتيجية فهي استعادة الكتاب بأي ثمن.

أما الترغيب فقد حدثني بعد الديباجة طبعاً أنه أوصى على عشر نسخ من الدار الناشرة في دمشق، سيكون نصيبي منها – حتماً – واحدة تقديراً لهذا الحب الذي عبّرتُ عنه تجاه الكتاب، واعتزازاً من مصطفى بزمالتنا التبادلية في عالم الكتاب، وأما الترهيب فقد أشار إلى أن في مكتبته العامرة العديد من الكتب التي تفوق كتاب حمزاتوف جمالاً، وهو لن يسمّيها لتكون مفاجأة لي، بمجرد إعادة الكتاب الذي يرجوني وبشدة ألا أعيره إلى أحد، لأن هناك من هو موعودٌ به.

يلاحظ أن الإشارة الأخيرة هي إشارة خبير ماهر في عالم “التطنيش” قل بلع أي كتاب مستعار، وذلك بالقول أنك أعرته لصديق ما، وأنه يماطل في إعادته، بل ربما يكون قد أضاعه، أو أن “السريلانكية” رمته مع الجرائد إلى عالم النسيان.

في كل الأحوال: اطمئن يا صديقي أن الأمانة سترد كاملة غير منقوصة، أما عن النسخ العشر التي أوصى عليها من دمشق فلن أذكره بالمثل القائل “عصفورٌ باليد خيرٌ من عشرة على الشجرة”.

أما عن بعض محفزات الكتابة مما أجد نفسي في حلّ لأذكره للقارئ العزيز، وذلك بجانب القيمة النفيسة لكتاب حمزاتوف في حد ذاته، فهي أنني ابتليت الأسبوع الماضي بديوانين شعريين لصديقين أعتز بهما، وقد أردت أن أكتب عن شعرهما بطريقة إيجابية وتشجيعية، ويعلم الله تعالى أنني قرأت الديوانين عدة مرات، وكما يقال من اليمين إلى اليسار ومن اليسار إلى اليمين، من فوق إلى تحت ومن تحت إلى فوق، قرأتهما بالذائقة العربية، فما وجدت لهما طعماً، وقرأتهما بنظارات مستوردة، فأصبت بكآبة لم أبرأ منها لعدة أيام.

وقد عجبت كيف أنك حين تجلس أمامهما تجدهما يقولان كلاماً منطقياً أو مفهوماً، بل رشيقاً وجميلاً، في ومضات لا تخلو من إبداع، فإذا ما جلسا إلى الورق خرجا من جلديهما، وأخذا يهلوسان خارج قوانين اللغة وشفافية الجمال… المهم أنني توكلت على الله، ورميت الديوانين إلى عالم النسيان، وليسلم لي الصديقان بعيداً عن الشعر ووجع الدماغ، فحديثهما أجمل مليون مرة من شعرهما، وليتهما يعلمان.

المهم أنه خلال هذه الفترة العصيبة عثرت على كتاب رسول حمزاتوف لدى الصديق رحمة، فكنت كمن عثر على نبع ماء بعد أن تاه في صحراء بلقع، وتعلمت منه أن الشاعر الحقيقي يحوّل الحجارة إلى قطع مجوهرات، ويغزل خيوط الشمس على ظفائر الصبايا من دون الحاجة إلى حذلقة وتصنّع، ولكم أحببت أن أهدي الصديقين هذا الكتاب الجميل ليتعلما مثلي – إن رغبا – لولا هجمة مصطفى رحمة. وعلى كل حال فهما موعودان باثنين من الطيور العشرة التي على الشجرة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s