أبو الطيّب المتنبي

مع أبي الطيب (1)

المتنبي
المتنبي

أشرت يوم أمس إلى إصدار المجمع الثقافي لمختارات من أشعار أبي الطيب المتنبي في سلسلة (الكتاب المسموع)، وذلك في ستة أشرطة (كاسيت) أنيقة، في صندوق أنيق أيضاً، بصوت عبدالمجيد المجذوب، الذي تعوّدنا عليه في المسلسلات التاريخية، وقد كان موفقاً في الأداء ان لجهة النطق ومخارج الحروف الصحيحة، وان لجهة الإبانة وإيصال المعنى بالتقطيع والنبر، وان لجهة تصوير المعنى صوتياً بالتلوين والخفض والرفع، مثلما يؤدي المغني الجيد حين يشعرك أنه لا يغني من طرف اللسان، وإنما من نار القلب المشبوب.

ومع أبي الطيب المتنبي يحلو السماع، ويلذ الإنصات، ويطيب السفر، وينجلي الهم، وتنعقد الصحبة، فشاعرنا قلّ أن طاب المقام له حتى الركود، فقد كان نضو ترحالٍ دائم، وحليس خيل جوالة، وقرين النجائب، سفن الصحراء تخب به على الرمال من سفر إلى سفر، ومن بلدٍ إلى بلد، ومن أمير إلى أمير. وهو مع ذلك في جيش لجب من نفسه، وفي ملك عظيم من تطلعات روحه، فلا عجب أن رغب إليه الملوك ورغبوا عنه طمعاً في قصائده التي تسير بذكراها الركبان، وخوفاً من لسانه وهجائه إذا غضب. لقد كان ملكاً في حضرة الملوك وأكثر، وكان مجلياً في مجالس الشعراء وأغزر، وكان ربّ سيف في ساحات الوغى، وفرنداً صارماً في وجه الزمان وشماتة الأعداء، وما أكثرهم في حياة المتنبي، وما أكثر ما أعدّ لهم من المضحكات المبكيات، يرميهم بها مباشرة، سخرية أحياناً وسلخاً حياً أحايين أخرى، واستعلاء بذاته، يجعلهم يحارون في أمره ومراميه، وهو في كل أحواله كالذئب ينام بعينٍ وعينه الأخرى مفتوحة لكي لا يُؤخذ على غرة:

أي  محلٍ  iiأرتقي
أي   عظيمٍ  أتقي
وكل ما مخلق الله
وما    لم   iiيخلقِ
محتقرٌ  في همتي
كشعرة في iiمفرقي

نعم… لم يكن أسطورة الشعر العربي حفياً بزمانه، ولا مطمئناً إلى ناسه، ولا قانعاً بمكانه فيهم، لذلك ستظل روحه معذبة تنتقل من عصر إلى عصر، كأنما شعره سوافي الرياح، تكشف المغطّى وتغطّي المكشوف، وتنجلي عن صحو، لتنذر بزوابع، وسيظل صغار الشعراء حائرين أمام ظاهرة المتنبي التي كانت مزاج عبقرية اللغة العربية في أصفى تجلياتها، وتجليات الروح العربية في أعذب مزاجها:
فؤاد ما تسليه المدام=وعمرٌ مثلما تهب اللئام
ودهر ناسه ناسٌ صغارٌ=وإن كانت لهم جثثٌ ضخام
وما أنا منهم بالعيش فيهم=ولكن معدن الذهب الرغام


مع أبي الطيب (2)
العودة إلى أبي الطيب المتنبي، عودة إلى ثوابت الروح وعلياء الطموح، عودة إلى العربي المقاتل المستنكف الأبي، عودة إلى شموخ اللغة وكبريائها وينابيعها المتدفقة بعنفوان وغزارة وفتوة وإيقاع، اللغة المحاربة، في حروفها صليل السيوف، وفي سنابك خيولها أصداء المجد، وفي ترحّلها الدائم بحثٌ دائبٌ عن كل جديد في نبض الحياة، شوقاً إلى اشتقاقات جديدة، وإضاءات ساطعة، وتنقيبات عميقة في النفس الإنسانية ودواخلها المستكينة، وذخائرها المستخفية، وغاباتها المتشابكة.
من هنا فإن الشاعر هو القيّم على هذا العالم الساحر، الذي لولاه لم تنبت للناس أجنحة، ولم يتفتق خيال، ولكانوا يعيشون أقرب إلى حياة العجماوات، ليس لهم من اللغة سوى ما يتصل بمطعمهم ومشربهم وشؤون حياتهم العادية. ولقد كان أبو الطيب في الذورة من هذه الرسالة العظيمة، يقف أمام اللغة كما يقف نافخ الكير أمام النار، يضع فيها قضبان اللغة المبهمة والصدئة، ويستخرجها متوجهة، وقد نفضت عنها أدرائها، فيرسلها إلى قلوب الناس لآلئ مشعة، تقلب مفاهيم الحياة، وتثري سماء المعرفة بآلاف النجوم الجديدة المتشابكة، بعالم الفكر، وشلالات الوجدان، ومعاناة الخلق والإبداع.

ولكن كان أبو العلاء المعري محقاً عندما كان يشير إلى الشعراء بأسمائهم، إلا أبي الطيب، فإنه كان يصفه بـ (الشاعر) دون تسمية، وكان المتنبي يعرف لنفسه هذه المكانة، ولذلك لم يكن يقبل أبداً أن يُقارن بأحد، وكان يحمل سيفاً بتاراً يقطع به رؤوس المتشاعرين، فلا غروّ إن تكالبوا عليه ذماً ودساً وافتراءً، وما كان ليبالي، وإن كان قد دنا له من وراء ذلك الأذى الكبير:

أرى المتشاعرين غرواً بذمى
وماذا  يحمد  الداء iiالعضالا
ومن  يك  ذا فمٍ مر مريض
يجد  مراً  به  الماء  iiالزلالا

لقد كان يتلاعب بكارهيه من المتشاعرين شأن أسد واثق يهجم على قطيع أغنام، لا يملك دفاعاً غير الثغاء والتزاحم في قلب القطيع، ابتعاداً عن ضربات يد الأسد الجائعة وأسنانه القاطعة:

أفي  كل يوم تحت إبطي iiشويعرٌ
ضعيف  يقاويني  قصير iiيطاول
لساني بنطقي صامت عنه iiعادلٌ
وقلبي بصمتي ضاحكٌ منه هازل
وأتعب  من  ناداك  من لا iiتجيبه
وأغيَظ  من  عاداك من لا iiتُشاك

لقد حاول أبو الطيب أن يقيم مملكة الشعر على الأرض، ومملكة اللغة على الزمن، ولقد ضَل في الأولى، ونجح في الثانية، لأن الأولى كانت تحتاج إلى جيوش لم تكن له، أما الثانية فنهض بها لوحده كأيّ بطلٍ أسطوري.


مع أبي الطيب (3)
وكيف لي أن أتخلص من أبي الطيب المتنبي، وهو الذي يأخذ بيدي إذا ضاقت الدينا، ويصحبني إذا عزّت الصحبة، ويدلّني إلى ينابيع الحكمة إذا ضللني السراب، وما أنا إلا واحدٌ من عشرات الملايين الذين أسندوا ظهورهم منذ ما يزيد على ألف عام إلى هذه الشجرة المباركة، يستظلون بظلها، ويمتّعون نواظرهم برطيب أغصانها، ويهزّون جذعها، لتساقط عليهم ثمارها الجنية… كم مرة قرأت قصيدته التي مطلعها: “صحب الناس قبلنا ذا الزمانا”، فكانت بلسماً على جرح، وطمأنينة بعد قلق، وفهماً للحياة أعمق بعد بلبال وحيرة:

صحب الناس قبلنا ذا الزمانا
وعناهم  من  شأنه ما iiعنانا
وتولّوا   بغصة   كلهم  iiمنه
وإن   سرّ   بعضهم  iiأحيانا
ربّما  تُحسن  الصنيع iiلياليه
ولكن     تكدّر    iiالإحسانا

يالهذا التكدير الذي يأتي بعد صفاء، كأنه القدر المحتوم، يالسذاجة أولئك الذين هم بما لديهم فرحون. وما أظن أبا الطيب قد عرف السرور الذي يعرفه سائر الناس، فالقارئ لشعره يجده مدرسة للألم، وللتعالي على هذا الألم، وتحويله إلى متعة ذهنية ولغوية وإبداعية، بلغت من الجمال أن أصبحت ملكاً للبشرية عموماً، وللناطقين بلغة الضاد على وجه الخصوص، ملكاً ليس ككل ملك، ينقص إذا أخذت منه، ولكنه ملك ينمو بالصرف منه، ويزداد ثراء عصراً بعد عصر، فالواردون إلى عيون شعر أبي الطيب مقاصدهم شتى، وحاجاتهم متنوعة، وما يشتكون منه لا تعالجه مسكنات الأطباء، ولا مباضع الجراحين، ولا صيدليات الصيادلة، فهم بحاجة إلى غرف إنعاش، تحل الحكمة فيها محل الأوكسجين النقي، وعرائس الشعر محل بنات حواء:

كلما   أنبت   الزمان   iiقناة
ركّب  المرء في القناة iiسنانا
ومراد النفوس أصغر من أن
تتعادى   فيه   وأن  iiتتفانى
غير أن الفتى يلاقي iiالمنايا
كالحاتٍ  ولا  يُلاقي  الهوانا
ولو  أن  الحياة  تبقى iiلحيّ
لعددنا    أضلّنا    iiالشجعنا
وإذا  لم  يكن من الموت iiبدٌّ
فمن  العجز أن تموت جبانا

سلمت يا أبا الطيب، يا من لم تكتف بإعطاء ممدوحيك أضعاف أضعاف ما أعطوك، وإنما أعطيتنا جميعاً هذه اللآلئ التي لا تبلى على الدهر.


مع أبي الطيب (4)
عاش أبو الطيب المتنبي في غربة غريبة موحشة، لم يفرج عنها سوى الموت، ذلك لموت المجاني المأساوي في قفر موحش غريب، حيث انفرد به ثلة من المتوحشين، بين ناقمين، وقطاع طرق، وقتلة محترفين، قيل أنهم تابعون لـ (ابن المقفع) الذي أفحش المتنبي في هجائه، فنشأ بينهما ثأرٌ وأي ثأر، دفع أعظم شعراء العربية حياته ثمناً له.
وحتى في بلاط سيف الدولة الحمداني، كان المتنبي على سفر دائم، رغم أن ذلك العهد هو العهد الذهبي لأبي الطيب، ولكن إقامته كانت أشبه بالإقامة فوق عرش فخيم معلق فوقه سيف بتار لا يأمن متى يهوي فيقطع رقبته، لذلك نلاحظ في شعره في المرحلة الحلبية، ذلك القلق المتنمّر، والتحسّب لكل حركة، ولكل نأمة، والتعلق بأعناق الأشجار العالية خوفاً من الثعابين والهوام التي تدبّ في الأسفل، ولكن إلى متى يظل الإنسان معلقاً من يديه في الأعالي، ورجلاه في الهواء، وهو يحتاج كل الإحتياج ليسعى على الأرض رياضة ومعاشاً وإحساساً حقيقياً بالأمان.

أما عند كافور في مصر، فقد كان المتنبي أشبه بالسجين في سجنٍ كبير، يُسمح له بالتنقل بين جدرانه العالية، ولكن لا يُسمح له بمغادرته إلى الفضاء العريض، لذلك فإن أبا الطيب – وقد شعر منذ اليوم الأول بأنه وقع في مصيدة الموت أهون منها – قد لجأ – وهو الخبير إلى التناوم كما يفعل الثعلب المكار – فخدّر ساجنيه، وأعطاهم أمان اللسان، بل زاد على ذلك بأن منحهم فوق ما يتوقعون من المدح، وكان يعمل فكره ليل نهار للهرب من المصيدة، حتى تم له ذلك، وعندما أمن على نفسه، أطلق مخزون الغضب والإحتقار والثأر، فجعل من (الأستاذ) كافور موئلاً لكل مثلبة، وعَلماً على كل نقيصة، ومعرضاً لكل عيب.

عاش المتنبي مغترباً، وطنه ظهر راحلة، أو سرج حصان، وبقدر ما كان يأنس إلى وحش الصحراء، بقدر ما كان ينفر من بني البشر، الذين رآهم من خلال غربة روحه أعداء مستترين:

ولما  صار  ود الناس iiخبباً
جريت  على ابتسام iiبابتسام
وصرت أشك فيمن أصطفيه
لعلمي   أنه   بعض  iiالأنام
وآنف  من  أخي لأبي وأمي
إذا  ما  لم  أجده  من iiالكرام

مكان واحدٌ وحيد تشعر أن المتنبي اتخذه وطناً ونام فيه مطمئناً، ذلك هو صدر جدته في الكوفة، والتي كان يرى فيها الدنيا، كل الدنيا، فلما ماتت اكتملت غربته، لذلك ضمّن رثاءها الفريد أبعاد غربته وضياعه:

تغرّب    مستعظماً   غير   iiنفسه
ولا    قابلاً   إلا   لخالقه   iiحكما
ولا   سالكاً   إلا   فؤاد   iiعجاجة
ولا   واجداً   إلا   لمكرمة  iiطعما
يقولون  لي  ما  انت في كل iiبلدة
وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمّى
وإني   لمن   قوم   كأن  iiنفوسهم
بها  أنف أن تسكن اللحم iiوالعظما

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s