حمدة خميس

حمدة خميس
حمدة خميس

الصبّار والقرنفل

حمدة خميس في (عزلة الرمّان) ديوانها الأخير، كما في دواوينها السابقة، هي ابنة الطبيعة بامتياز، نبتة من نباتاتها، نسمة من نسماتها، فيض نوراني من فيوضاتها، تسكن إليها، تشاكيها، تعاكسها، تتأملها، تؤنسها كأنما تضع أذنها على نبض شجرة لتعرف نوع حزنها، وتصغي إلى خرير جدول لتستشف لوعته في سفره واغترابه، وتـتنسم عطر قرنفلة لتبادلها الفرح والبهجة.

كنت أتأمل في بعض عناوينها وأتخيل حالات إنسانية ألفناها واعتدناها، فإذا بي أمام مناجاة حميمة للطبيعة والكون والأشياء، مقطوعة بعنوان (أنوثة) تكشفت عن أنوثة الغابة:

“الغابة كائنٌ شامخٌ غامض وأليف، الغابة أنثى الفصول والضياء الشفيف، كلما لاح في أفقها مطر هللت بالحفيف”.

مقطوعة أخرى بعنوان (يقظة)، تمازج بين الطبيعي والإنساني بشفافية عالية:

“سوف ينهض العشب من بعدنا في هطول الصباح، ويسري كما قطرة في الغمام، فتبتل وحشتنا بالندى، كأن لم يمر علينا الغمام”.

أما (وشاية) فترينا أنواعاً من الوشايات العذبة غير ما ألفناه واعتدناه:

“النخل يثقله الرطب، وتشي بفتنته ارتعاشات الظلال، الماء تثقله السحب، وتشي بفتنتها انفجارات الينبوع، والقلب يثقله الهوى، وتشي بفتنته اختلاجات الجسد”

مع حمدة كأنك مع شاعر الهند العظيم (طاغور)، تجوس في الغابات، وتتأمل أقواس قزح، وتصغي إلى الموسيقى المتدفقة في كل الأنحاء. ومن عجب أن بيئة حمدة – كما كان يتهيأ لي – ليست كذلك، ولكنني اكتشفت أن هذه البيئة توجد أساساً في الروح، ثم تتلمسها الروح خارجها كما فعلت شاعرتنا في بيتها بالشارقة، فهو مأوى للعصافير والبلابل والببغاوات التي إن لم تجد أرزاقها في أشجاره وثمارها، وجدتها في كرم صاحبة البيت. وقد مررت مع حمدة وأحمد راشد ثاني وزاهر الغافري وسط جنائن فندق المريديان، فعلقت بأنها لم تعثر على نبتة ليست لديها، ثم تذكرت أن أطفالها قد ينسون ريّ الأشجار، فجَرَت إلى أقرب تلفون لتحثّهم على ذلك، كأنما تركت وراءها أطفالاً رضّع ينتظرون حنانها. عندما ذهبت إلى أميركا لزيارة ابنها الأكبر مهندس الإلكترونيات – الذي شهد له الأميركان بالنبوغ – وكتبت قصيدتها (ميلودي إلى ملواكي) وهي تأملات في المدن الأميركية والعربية خلصت إلى القول:

“قلت لنفسي وأنا بين حضور وغياب، كما ليس لك في (المرقاب) غير الصبّار أليفاً وقرنفلة عند الباب، ليس لك في مدن الحرية إلا وهمً يتهاوى وصدى يرتد إليك”.

إن معادلة الصبار والقرنفل هي معادلة حياة هذه المبدعة المتميزة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s