الحسين بن طلال

الحسين بن طلال
الحسين بن طلال

أبو عبدالله الكبير (1)

على امتداد 46 عاماً من زمن عربي يتشظّى ويتداعى كأنه خارج من أشداق بركان، أو قادم من فوهة زلزال، والعالم العربي يرى الملك الحسين بن طلال ممتطياً صهوة الريح كأنه من عناه المتنبي بقوله:

على قلق كأنّ الريح تحتي=أسيرها يميناً أو شمالاً

46 عاماً وملك الأردن على جناح عاصفة السياسة العربية التي لم يقدّر لمراكبها أن ترسو أبداً منذ زُرعت (إسرائيل) في هذا الجسد الممتد من المحيط إلى الخليج، فزرعت فيه الشك والفتن والمرارات، وأشعلت فيه نيران الإنقسامات والخلافات وحروب الإخوة الأعداء.


46 عاماً كان الحسين خلالها يترحّل من عاطفة حارة إلى عاطفة أحر، من أمل يأفل إلى أمل يتفتق، من عاصفة قومية إلى هزيمة وجدانية، من عاصمة عربية حانقة إلى أخرى راضية، إلى ثالثة متفرجة ساهية. من حرب إلى سلم ومن سلم إلى حرب، ومن لا سلم ولا حرب إلى لا حرب ولا سلم، حتى ليصدق فيه قول المتنبي:

وصرت إذا أصابتني سهامٌ=تكسّرت النصال على النصال

كان جلالته يمتطي صهوة الريح، ولكنه في الوقت ذاته كان في قبضتها، كان يمتطي صهوتها بجسارته، وروحه المقدامة وإيمانه الذي لم يتزعزع بالأردن شعباً وموقعاً ودوراً، وبعراقته ونبل محتده ومشروعية تطلعاته، وكان في قبضتها بانتمائه العروبي وموقع الأردن الحسّاس في الخاصرة الإسرائيلية وعلى تخوم ثلاثة من أهم بلدان العرب.

كان إمّا مقاتلاً، وإما إطفائياً، وإما جندياً تحت الاستدعاء، ينام بعين وعينه الأخرى يقظة، فمن كان في مثل مكانه ومكانته يجافيه النوم ويتقلب في مضجعه كأنما على الشوك، ولكنه في كل الأحوال بالغريزة والفطرة، بالنسب والحسب، بحسابات الماضي، وتشابكات الحاضر، ونذر المستقبل، كان عروبي الآفاق، أردني الهوى، هاشمي العاطفة، عقلاني السياسة، حضاري الروح، عصري الانتماء، ذا إرادة سياسية تقطع كالسيف، وتندى كالمطر. كان حاملاً في علاقاته العربية لذلك الشعار الذي طالما تغنى به العرب قولاً وطالما خالفوه فعلاً:

وإن  الذي  بيني  وبين بني iiأبي
وبين  بني  عمي  لمختلفٌ  جداً
فإن  أكلوا  لحمي وفّرت iiلحومهم
وإن هدموا مجدي بنيتُ لهم مجدا
وإن  زجروا طيراً بنحس يمر iiبي
زجرت  لهم  طيراً يمر بهم iiسعدا

اليوم وجلالة العاهل الأردني على فراش الرحمن تحضرنا مناقبه، ونمتلئ بكثافة حضوره الذي عرفناه منذ أن عرفنا الوعي، وندرك تماماً بعميق وجداننا أن (أبو عبدالله الكبير) كان بعض نسيجنا الإنساني والأخلاقي، لذلك نستأذن جلالته أن يسمح لنا بإسبال دموعنا في هذا الموقف العصيب.


قراءة في المشهد

10 فبراير 1999

أمّا المشهد فلم يسبق له مثيل من حيث سعته وشهوده وغنى دلالاته واستهدافات نجومه الذين حضروا من أركان المعمورة لإلقاء النظرة الأخيرة على زعيم راحل، هو الملك حسين بن طلال أولاً، ولتسجيل حضورهم ووجودهم العلني والمستتر ثانياً، ولإلقاء نظرة على بعضهم البعض عن كثب، وقراءة نوايا بعضهم البعض عن قرب ثالثاً، وللنظر من هناك، من قلب مشهد الحزن واللوعة والتفكر والترقب، من قلب العالم القديم على نهر الأردن وعلى مرمى حجر من القدس إلى (بانوراما) العالم المعاصر، والذي وجد نفسه منشداً عبر زعمائه وعبر الشاشة والصورة والحركة إلى عمّان التي كانت في قلب استراتيجية الامبراطورية الرومانية (فيلادلفيا)، وفي صميم استراتيجية حركة الفتح الإسلامية حيث غُلبت الروم، وفي صلب مواصلات الامبراطورية العثمانية عبر خط الحجاز الحديدية الذي كان مقدراً له أن يمتد عبر تركيا حتى برلين، فيكون عقدة ومفترق طرق الشرق، وفي ذروة سنام الثورة العربية التي اتخذت من تلك البقعة نقطة الاستطلاع، ومركز التجمّع على تخوم فلسطين والشام والعراق.

لقد جمع المشهد المهيب زعماء العالم بما يعنيه ذلك من قوة وضعف، من فقر وغنى، من تواضع وخيلاء، من خوف وطمع، من رهبة ورغبة، من إرسال رسائل واستلام رسائل، وسيتأكد كل واحد عند العودة من بريده، ويقرأ فيه بإمعان ويبدأ في العمل لمرحلة ما بعد الحسين الذي كان أمة وحده، في حركته الدائبة واستشفافه للأحداث، واستبساله في أن تبقى تلك البقعة العربية الحساسة بمنأى عن المفاجآت والمؤامرات والمزايدات والمناقصات، وقد عمل بقدر ما وسعه الجهد وما منحته الظروف من فرص لتحقيق ذلك الهدف.

أما القراءة في المشهد فيمكن إيجازها فيما يلي:

• إن الأهمية الاستراتيجية للمنطقة العربية – وفي القلب منها فلسطين والأردن وتخومهما – تشغل عقل وتفكير وخطط العالم المعاصر، وهناك ستتقرر مصائر كبيرة، وعلى العرب قبل غيرهم أن يعوا تلك الأهمية والأهم من ذلك وعي متطلبات مصيرهم، ويبدو أن الحسين في وفاته قد أوصل الرسالة التي أمضى عمره لإيصالها إلى العرب.

• إن العرب قد أدركوا أهمية المبادرة والمبادأة، وفي المشهد الكثير من تجليات صفحات جديدة في كتاب المستقبل، نأمل أن تثمر لا أن تكون مجرد سحابة صيف لا تظلل ولا تمطر.

• إن الأردن ليس بمساحته ولا بعدد سكانه ولا بموارده، وإنما هو بموازين الأخطار وبأقدار التاريخ وباستراتيجية الموقع رائد أمة، والرائد لا يكذب أهله، وتلك هي رسالة الحسين حياً وميتاً… والمهم أن نحسن القراءة لا أن نردد الكلمات من دون وعي أو تدبر.


الملك الإنسان (3)

11 فبراير 1999

“لقد عرفت كل ما يمكن أن يعرفه كائن بشري: الجوع والعطش، الإذلال والهزيمة، والنادر من اليسار والبحبوحة، والقليل من السلام والراحة والابتهاج، ولقد كان شعبي معي في كل هذا، لأنني متعلق بشعبي في الأردن تعلقاً لا تنفصم عُراه، وموثوق الصلة به إلى أبعد الحدود، فقد كانت آلامي هي آلامه، وأحزاني هي أحزانه. ولمّا كنت أعلم أن مواطني منذ الحرب العالمية الثانية لم يتذوقوا إلا القليل من السعادة فأنا أيضاً مثلهم، لم أعرف من السعادة إلى القليل، وإنني أعتقد بأن من العسير جداً إدراك السعادة في هذه الدنيا سواء أكان المرء ملكاً أم إنساناً عادياً”.

• تلك كانت كلمات الملك حسين من كتابه (مهنتي كملك)، الذي ترجم فيه لحياته حتى السبعينات، وهي بلا شك شهادة قد تصدم خيال الكثيرين الذين يرون في الملك والحكم غاية المنى، ونعيم الدنيا، ومعقد آمال البشر، ولكنهم يغفلون جسامة المسؤولية، وخطر التوازن على حبل مشدود ممتد من كرسي الحكم إلى الناس الذين في القاع، ومن المسؤولية أمام الله تعالى في عليائه، وحتى المسؤولية أمام الناس الذين سيأكلون بعضهم بعضاً إن لم تردعهم عصا السلطة، ويقوم بما لهم وما عليهم ضمير الحاكم.

تلك المسؤولية التي جسدها عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قول له معناه أنه مسؤول عن ضياع شاة في أطراف العراق أو أقاصي اليمن. إنها الرهبة الرهيبة حين تكون مقاليد الأمور في يدي الإنسان، وعلى لسانه الكلمة الفصل، وسيُسأل عن هذا وذاك، حتى أن عُمر كان يرتجف وهو يردد: “ليت أمي لم تلدني، ليتني كنت قشة، ليتني كنت نسياً منسياً”.

الملك الحسين بن طلال عميد الأسرة الهاشمية، وكبير الأسرة الأردنية الراحل تجوهر في الألم والمعاناة، فجدّه الشريف حسين بن علي – ملك العرب – مات منفياً مقهوراً، وجده عبدالله بن الحسين قتل في الأقصى بين يديه ولما يتجاوز عمره الخامسة عشرة، ووالده الملك طلال تمّ نفيه إلى تركيا، وأبناء عمه الملك فيصل قتلوا وسحلوا في شوارع بغداد، وهو نفسه تعرض لحوادث اغتيال كانت نجاته من كل واحدة منها أعجوبة، أما استمراره وانبعاثه من وسط الأنقاض فكانت معجزة.

وفي حياته الشخصية تزوج أربع مرات وفجع بثالثة زوجاته (الملكة علياء) وهي تهوي محطمة محترقة من طائرة في عز تعلقه بها، وقد علّق على حياته العائلية في كتابه (مهنتي كملك) قبل أن يتزوج الملكة نور الأثيرة إلى قلبه والتي لازمته حتى الرمق الأخير فقال:

“تزوجت مرات ثلاثاً، وحياتي الخاصة والعائلية غير منتظمة، فأعباء الدولة تحول بيني وبين أن أكون لهذه الكائنات الإنسانية العزيزة الغالية بالقدر الذي أرغب وأتوق إليه، وطالما أضطر أن أخيّب آمالهم في الوقت الذي ينتظرونني فيه لتناول طعام الغداء معي، فأحتبس نفسي مع زائر أجنبي أو سياسي أردني، ثم في حوالي الرابعة أو الخامسة من بعد الظهر أطلب إحضار بعض الشطائر لأكلها، وأنا منهمك في عملي”.

ولك أن تتخيل عزيزي القارئ ملكاً خلّف مكتبه بجد ويكد ويجتهد في وقت القليلولة الذي تكون فيه أنت تنام قرير العين هانئ البال… أيكما يغبط الآخر؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s