خالد القشطيني

خالد القشطيني
خالد القشطيني

في لغة الببغاء

الكاتب الصحافي المعروف خالد القشطيني أصدر كتاباً سمّاه (السخرية السياسية العربية) صدر عن دار الساقي، وقد لفت نظري إلى الكتاب الزميل علي العمودي، بعد أن قرأ زاويتي الأمس وأمس الأول، وأحضره مشكوراً للإطلاع عليه. وينبغي الإشارة هنا إلى أن العرب ليسوا بِدعاً بين الأمم في السخرية، فربما كان هناك من يفوقهم بحكم أجواء الحرية للنكتة السياسية في كثير من بلدان العالم”، ولكن “التنكيت والتبكيت” السياسي العربي – على حد تعبير رائد الصحافي المصرية الساخر عبدالله النديم – هو نوع من البكاء “بين يدي زرقاء اليمامة، سخرية من أنفسنا وقرفاً من أحوالنا القوميّة، وبكاءً دائماً على “اللبن المسكوب” الذي ما أن نجمع منه ما يملأ (قُعباً) حتى يأتي من يصبّه في كثيب رمل لا قرار له ولا اخضرار، والأدهى من ذلك أن يأتيك من سكب “قعب اللبن” قبل أن يبلغ شفتيك، فيمنّيك بأنهار من لبن وأنهار من عسل يسيل لها لعابه هو لأنه لا يعرفها إلا بالخيال، ولكن ذلك لزوم العيشة و “الفهلوة” كمن يبيعك السمك قل أن يصطاده على أساس أن البحر مليء بكل ما لذ وطاب، والأكثر مرارة أن يبدأ بالمن عليك على أساس أن ألفاظه هي أفعال، ولا بد من ثمن لها، الأمر الذي يجسد الشكوى الأزلية لأبي الطيب المتنبي الذي قال في هجاء كافور:

جوعان يأكل من زادي ويمسكني=لكي يقال عظيم القدر مقصود

وعلى كل حال فقد كان مدخلنا إلى الحديث كتاب الزميل خالد القشطيني الخفيف الظل، الذي ظاهره الرحمة وباطنه العذاب، أو أنه مثل الدواء المر المغطّى بطبقة خفيفة من السكر، ولنا إلى مفارقاته عودة، ولكننا نقتطف من المقدمة ما يضع بعض أصابعنا على بعض وجعنا… يقول القشطيني:

“سألني زميل قبل مدة عن رأي كتبته بعد نكسة 1967، واستغرب عندما ذكرت له أنني نسيت ذلك الرأي، قلت: ما الداعي لأن أتذكره؟ إنني لا أؤمن بسبعين في المئة مما أكتب بالعربية، وإذا كنت تريد أن تعرف حقيقة رأيي فاقرأني بالإنجليزية، فبدلاً من 30% ستحصل على 35% كلام صحيح. قال الزميل: وبس!؟ قلت: نعم، لا أستطيع أن أرفع النسبة إلى أكثر من ذلك، لأن يد الرقيب تلاحقنا حتى لو جلسنا وتكلمنا باللغة الكجراتية، وهي لغة الببغاء على ما أفهم”.

ومصداقاً لكلامه فقد نشر كتابه باللغة الإنجليزية ثم جرت ترجمته إلى لغة الضاد لاطلاع أبناء العروبة الأماجد عليه.


الترويح القاسي

31 ديسمبر 1998

نختم اليوم رحلتنا مع كتاب زميلنا الصحفي المخضرم العراقي المقيم في لندن خالد القشطيني، والمعنون (السخرية السياسية العربية)، وقد وجدنا فيه بعض الترويح القاسي الذي يشبه العلاج بواسطة الكي بالنار، ولكن هذا الكي لدى من يعانوا الآلالم مصدر بهجة، حتى وإن اشتموا بأنوفهم الحساسة رائحة شواء جلودهم، وما أكثر ما شويت جلودنا دون مقابل.

في عام 1966 وجد الأمين العام لجامعة الدول العربية السيد عبدالخالق حسونة مؤسستنا العتيدة وقد اشبهت كرة من خيوط الصوف، تشابكت وتداخلت، فلا يستطيع المرء لها فكاكاً، فأخذ يضحك مع الضاحكين معلقاً بالقول: “يكفي أن تتوقف الحرب في اليمن، وتستقيم العلاقات المصرية – السورية، ويستقر الوضع الداخلي في سورية، ويتحقق التقارب بين السعودية ومصر، وتَصفى العداوة بين مصر والأردن، وتزول مشاكل الحدود بين المغرب والجزائر، ويعود الهدوء إلى جنوب السودان وشماله، ويزداد اهتمام تونس بالعلاقات العربية… يكفي هذا فقط، لتبلغ جامعة الدول العربية أوج عصرها الذهبي”.

ولا أظن عزيزي القارئ أن الجامعة العربية – التي تصدت في الأيام الأخيرة كالأسد الهصور تدعو لقمة عربية ثم تراجعت – قد تغيّرت كثيراً عما كان عليه الحال أيام حسّونة، وما ذلك ذنب حسونة ولا عبدالمجيد، فما هما إلا منسّقان مأموران لا يرقى إلى كفاءتيهما وإخلاصهما الشك، ولكنه الزمن العربي المنخور بسوسة تحتاج إلى (نفتالين) من نوع لم يتم اختراعه بعد، وعلى كل حال، فإنها إذا أقبلت تقاد بشعرة، وإذا أدبرت تقطع سلاسل الحديد، ونحن الآن في زمن الإدبار.

روى الدكتور قتيبة آل شيخ نوري، بعد رجوعه من مؤتمر طبي عقد في لندن، أنه سُئل في المؤتمر إذا كان أطباء العراق قد أضافوا شيئاً جديداً إلى تراث أجدادهم العظيم في علم الطب، فأجاب: “طبعاً، لقد اخترعوا مؤخراً جهازاً يستطيع أن يمر من أسفل البدن عبر الأمعاء والمعدة، صعوداً إلى الحنجرة، مروراً بالحلقوم، إلى اللوزتين ليستأصلهما بالكهرباء”، فقال له أحمد المستمعين: “ولكن لماذا هذه الدورة الطويلة وكان بإمكانهم أن يصلوا إلى اللوزتين بلحظة عن طريق الفم؟” فأجابه: “كلام صحيح، ولكن.. من يستطيع أن يفتح فمه؟!”.

ونختم بعضو حزبي جازف بفتح فمه سائلاً عن سبب اختفاء البطاطا من الأسواق، فوعده أمين السر بالإجابة في الاجتماع القادم، وفي الاجتماعي التالي نهض أحد الأعضاء، وبعد الإشادة بالثورة ومنجزاتها قال: “أريد أن أسأل عن أمرٍ تافه: “أين الرفيق عباس الذي سأل عن سبب اختفاء البطاطا، فقد اختفى هو الآخر منذ ذلك الوقت؟”… ورمضان كريم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s