إقبال الرفاعي

إقبال الرفاعي
إقبال الرفاعي

شعر إقبال

إنها شاعرة حقيقية، شاعرة بالإحساس… شاعرة بالتجسيد الفني، شاعرة بقاموسها اللغوي، وشاعرة بإلقائها الذي يتمثل شاعريتها وآلامها ورسالتها إلى الناس، تقف على المنبر بوشاحها الأسوَد يلمع سيف اللغة في عينيها منحدراً من عصور المجد العربية، ومن تراث الفروسية، ومن إبداعات ألمع نجوم الشعر العربي. إنها الشاعرة إقبال الرفاعي ابنة جنوب لبنان العربي صانع البطولات الأسطورية في وجه أعتى هجمة شهدتها الأمة في تاريخها. وهي تحاول في شعرها أن تفجر أعماقنا الصامته، وأن تطعّمنا بمصل البطولة لنتخلص من القتلة المتواطئين في خلايانا وفي سلوكنا… وما من مرة سمعت شعرها إلا وأصابتني هزّة أشعر معها أن هذه الفتاة تحمل همّنا جميعاً، وأنها تستصرخنا كما استصرخت تلك المرأة العربية المعتم “وا معتصماه”، فكان جوابها لمعان السيوف وجحافل الرجال، أما في حالتنا فلا حياة لمن تنادي، ففي جنوب لبنان كما في فلسطين يتصدى ويقاتل طلائع كأنهم بقايا أمة بادت.

ما كان في نيتي أن أكتب عن إقبال ولا عن شعر إقبال، لأن شعرها يتحدث عن نفسه بعربية فصحى لا رطان فيها، ولأن إقبال تكتب بمشاعرها قبل أن تكتب بقلمها، ولكن آلمني ما قرأته من تقويم لأمسيتها الشعرية بالجمعية الأردنية بقلم زميل أثق بنزاهته الأدبية، ولكنني على يقين أنه لم يصب في تحليله بسبب عدد من الأفكار المغلوطة الشائعة في الأوساط الثقافية. فقد تصوّر زميلنا أن حركة الشعر العربي الحديث تلغي إنجازات حركة الشعر العربي منذ امرئ القيس حتى أحمد شوقي، وأن بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي ستتحول إلى متحف التاريخ لأننا اكتشفنا شعر التفعيلة، وأن على كل شاعر ولد منذ الخمسينات أو سيولد في القرون القادمة ألا يقترب من العمود وإلا اعتبر ذلك نقصاً في قدراته الإبداعية، ومأخذاً يؤخذ عليه، وهذه النظرة فيها مجافاة لحقائق الأدب، ولإنجازات الإنسانية، فالمتنبي وامرئ القيس وأحمد شوقي والبحتري والبردّوني والجواهري يعيشون معنا لا كمغلفات متحفية، ولكن كفكر وفن معاصر أشد ما تكون المعاصرة، وكما أن إنجازات المعمار لا تلغي ولا تحد من عبقرية بناة الأهرام وسور الصين العظيم وحدائق بابل المعلقة، فكذلك هو الأمر في الأدب حيث لا يمكن لإنجاز مهما بلغت عبقريته أن يكون بديلاً للإنجازات السابقة، وإنما تطوّر عنها واستمرار لخط الإنسان في استكشاف آفاق وأساليب جديدة. ولا يزال المسرح اليوناني حقيقة حية ملهمة إلى اليوم، وكذلك الأمر في فنون الخط والمعمار العربي، وفي الفن التشكيلي لم تؤد المذاهب الإنطباعية والتجريدية إلى إلغاء الفنون الكلاسيكية لأعلى مستوى التاريخ ولأعلى مستوى الإنتاج المعاصر، صحيح أن كل عصر تغلب عليه سمات معيّنة مثل ما هو الحال في تطور الشعر العربي الحديث، ولكن هذا لم يمنع أن تظل الأشكال القديمة قائمة بجانب هذه السمة العامة. وضمن الأشكال القديمة كالعمود الشعري تجري تطوّرات كبيرة في القاموس الشعري والصور والمواضيع، وتهب رايح العصر دون أن يقلل ذلك من أهمية العمود، ومن يقرأ شعر البردّوني سيجد صلته بامرئ القيس والمتنبي قليلة جداً إن لم تكن معدومة، وصلته بتطوّر الشعر العربي الحديث متشابكة ومعقدة، ومع ذلك فقد أنجز تجربته ضمن البناء الشعري الكلاسيكي ولم يقلل ذلك أبداً من أهميتها. لقد كان شعر التفعيله أكبر إنجاز في تاريخ الشعر العربي على مدى أكثر من ألف عام، وتلك حقيقة يقر به النقاد، ولكن ذلك لا يؤهله أبداً لأن يلغي تجارب ناضجة مكتملة فنياً، رسخت أقدامها على مدى أكثر من ألف عام، وستظل هناك نفثات إنسانية وإيقاعات غنائية تجد نفسها دائماً في العمود.

لقد كنت أود من كل قلبي أن يحلل شعر إقبال في الأمسية التي لم تتح لي الظروف حضورها، وأن يقال الرأي على ضوء معطيات الإبداع، لا أن يكون مسبقاً على خيارات الشكل الفني.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s