جعيتا .. الحلم اللبناني

هل يمكن أن تكون الروح اللبنانية بتلك الصورة المشوقة المدهشة التي تبدو بها مفارق (جعيتا) التي نالها نصيبها من الحرب المدمّرة، فخرجت من دائرة الأماكن السياحية ردحاً من الزمن، حتى كاد الناس أن ينسوا صباها اللافت، وتجلياّتها الطبيعية البديعة، ومياهها الرقراقة السّريّة، وذلك الغموض الذي يحيط بها كأنما هي (جيوكندا) (دافنشي) تسخر من ضيق أفق الناس وصغائر اهتماماتهم التي يتفانون من أجلها.

ربما عوقبت المغارة على موقفها هذا بما لحق بمرافقها الخدمية من دمار قبل أن تبادر إليها وتمتد أيدي الإصلاح في زمن السلم، فتعود أبهى مما كانت عليه وأكثر افتتاناً بنفسها وبزوّارها، كأنما هي صورة لبنان الجديد الممتد عميقاً في الطبيعة، بعيداً في الحضارة، عريقاً في العمران. وقد تأملت ردود أفعال الأجيال الجديدة من اللبنانيين الزائرين، فتلمّست بفرح ذلك التجاذب الطبيعي الساحر بين أرواحهم وروح المغارة العتيدة – التي أبدعت منحوتاتها عبر آلاف السنين من حوار لم ينقطع بين الماء والصخر، بين إزميل الفن في أيدي المياه، واستعداد التشكيل في قلب الصخر، بين الظلال والضوء والصمت والصخب واللمعان والانطفاء.

المغارة مدهشة بكل المقاييس، وحين تستقل الـ (تلفريك) إلى الجزء الأعلى منها – عابراً فوق غابة عذراء تتسلق جانبي هوة سحيقة كشدق بين جبلين، أو كصدع في جبل منقسم – تشعر بالرهبة الممزوجة بالإنبهار، فها هو الإنسان بمنجزاته الحضارية قد روّض هذه الآية التي ضلّت مكنونة لآلاف السنين، فسهّل الوصول إليها بالطرقات، واستقطع من الجبل مساحة فسيحة لمواقف السيارات والخدمات المريحة، فثمة مطعم جميل، وأكشاك للمرطبات، ودكاكين لبيع الهدايا التذكارية، ناهيك عن المناخ العليل الذي يُبلسم الروح.

تدلف إلى المغارة العليا، حيث تشكيلات الكلس الوردي الضارب إلى بياضٍ داكن، وقد اتخذ أشكال الثريات السماوية والمنحوتات الجدارية والقمم المقلوبة، وما شاء لك خيالك أن تتصوره من المنمنمات. والمغارة عبارة عن كهف يتعالى صعداً، ثم يتخسف، فلا تدري ألَهُ قرارٌ، أم يتخدد إلى حيث لا تعلم، فما ثمة من طريق غير طريق النظر والحدس والتخمين.

وللمغارة السفلى بابٌ مستقبل، ويتم الدخول إليها في عربة على سكة، وإذا كنت في المغارة العليا ترى قطرات ماء تتلامع وتتقطّر بسكينة، كأنما الدنيا “تشتّي” على بيت يحتاج سقفه إلى صيانة، فكأنّك في المغارة السفلى تلج إلى بحيرة، حيث القوارب تنتظر السياح، تأخذهم في جولة مبهجة تحت سماء من الفن، ومياه لا تدري كم عمرها، ولا ما سرّها، ولا من أين تأتي، وإلى أين تذهب.

مغارة (جعيتا) فيها ما في اللبناني من حب للحياة، وتجمّل لها، وافتتان بطيّباتها، وفي البعيد… في مكان ما من الروح… ثمة دموع صامتة، تشحّ أحياناً كقطرات المغارة العليا، وتفيض أحياناً كبحيرة المغارة السفلى.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s