إلى بيروت

إلى (بيروت) شددت الرحال، ولكن على طائرة نفاثة، قطعت المسافة في زمن وجيز، أين منه عناء (المتنبي) عندما قطع جبال (لبنان) على راحلته، فتمتع بالنعمة الكبرى، المشاهدة المتأنية لذلك الجمال الخلاب، حيث يتحاور الثلج الناصع البياض مع الخضرة الغنية الدافئة، يتخللها همس الينابيع الجارية، وعطر الأزهار اليانعة، ومهاوي الوديان السحيقة الساحرة، ومن القمم العالية تبدو زرقة مياه البحر الأبيض المتوسط تداعب أقدام الجبال، وتتطلع إلى الأعالي منذ الأزل، دون أن تجرؤ على الصعود.

مطار (بيروت) الجديد، تطلُّعٌ متفائلٌ إلى المستقبل، إلى أساطيل طائرات مدنية تحمل عشرات آلاف السياح إلى هذا البلد الصغير بمساحته الكبير بكفاءاته، الخطير بقدرته على المجازفة والمغامرة واجتراح الإبداع، والقوي أيضاً في صموده وعناده وصبره وتشبّثه بالحياة، وتفننه في استنباتها: ابتسامة مضيئة، جمالاً يخطف الألباب، مائدة عامرة تشبَعُ من مجرّد رؤيتها، خدمة حميمة تقول لك: “نحن الضيوف وأنت رب المنزل”.

المطار فسيح نظيف مرتب ومنظم، والإجراءات سريعة مشفوعة بالترحيب وحسن التوديع، ربما كانت نتقصه بعض اللمسات الفنية التي تنتمي عادة إلى حُقب الرفاهية – و (لبنان) ليس فيها – ولكنه يتطلع إليها، ومعجزته أنه خرج من حرب ضروس دون أن ينكسر، أو يتملكه اليأس فينحدر… وما تلك الأنفاق والجسور التي غيرت وجه بيروت سوى خفقات الروح اللبنانية المتطلعة إلى الإنجاز والإعمار عقب الإعصار والدمار.

(بيروت) الجديدة: عينٌ على الاستقرار، وأخرى على خط النار، حيث لا يفتأ العدو الاسرائيلي بالتذكير أنه قادر على التدمير، ولكن ورشة العمل قائمة تبشّر ليل نهار بغدٍ أفضل من الأمس. و(لبنان) مثل العليل الذي أدرك في سطوة مرضه جمال تاج الصحة، الذي كان يتبتختر به، وعرف في لحظات تجلي أنه كان ضحية لفيروس خبيث استهدف وحدته الوطنية، وفرادته التعددية، وانفتاحه على العالم والمحيط العربي دون انغلاق أو تعصب، لذلك فإنه ما أن تماثل للشفاء حتى عض بالنواجذ على فرصته في العدة إلى الضوء، واستنشاق النسيم العليل، دون خوف من المضاعفات.

نعم لقد تأخر (لبنان) ما يقرب من عقدين من الزمن، كان خلالها أمام الموت يومياً وجهاً لوجه، وذلك بالتأكيد له انعكاساته المباشرة والمستترة، ولكن الوعي الذي تعمّد بالنار هو أحد المكتسبات والضمانات المهمة، لذلك فإنك تجد اليوم صوراً من التواصل والتراحم والتفهم بين مختلف الطوائف ترقى إلى تكوين رأي عام هو الأساس في استتباب السلام، وإعلاء البناء، ومداواة الجراح.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s