دفاتر السفر – دعوة إلى التشيك

أربعة أيام من المتعة اللاهثة قضيتها في جمهورية (التشيك) بدعوة أخطأت طريقها، فوجدت نفسي بين مجموعة وكلاء سياحيين، وقد اكتشفت مزايا مثل هذه السفرة، حيث تتم معاملة الوكلاء كما يعامل الضيوف الكبار، وتنظم لهم البرامج الفارهة والرفقة السخيّة، وفي كل الأحوال فقد وجدت في رفقتهم سياحة إضافية، فاهتمامهم الشديد بالأكل وأطايب الطعام جعلني أزداد وزناً، واهتمامهم الأشد بالمشتريات أضاع النقود الشحيحة التي استعددت بها للرحلة، كما أن أحاديثهم التي لا علاقة لها بعالمي جعلتني صامتاً طوال الوقت، حتى أنهم ظنوني معقداً – كما رشح إلى سمعي من بعض التعليقات الهامسة، ولوددت أن أقول لهم ما قاله (الحجاج) لأهل (العراق): “أنا ابن جلا وطلاّع الثنايا… متى أضع العمامة تعرفوني”.

وطبعاً لو قلت لهم – مثل ذلك الكلام الغريب على أسماعهم – لماتوا من الضحك، ونتفوا ما تبقى من شعر قليل في رأسي، فجلُّهم من الآسيويين، وقلة من العرب الذي تكسّرت لغة الضاد في ألسنتهم كما “تكسّرت النصال على النصال” في كبد المتنبي… الذي تنبأ بمحنتنا في أرضنا، ولكن الفتى العربي فيها… غريب الوجه واليد واللسان”.

دليلتنا الحسناء (هيلينا) تحفظ تاريخ كل حجر ومبنى وأثر في (براغ) – على غضاضة سنها -، ولم تكن لها من مشكلة سوى ذلك الشرود الدائم من قبل أعضاء الفريق من العرب، مما يخلّ بالنظام وتماسك الجماعة، ما جعل (هيلينا) كالراعي الذي يبحث عن غنماته كل خمس دقائق، ولا يكاد يجمعها حتى تتطاير في كل اتجاه.

قلت لـ (هيلينا) – وهي تجهد نفسها في الشرح: “إنك تقرئين تاريخ الأباطرة في عاصمتكم العريقة، ونحن نقرأ تاريخ الجمال في عينيك الخضراوين… وشتان بين قراءة وقراءة يا (هيلينا)… إن جمال (براغ) من صنع البشر، أما جمال عينينك فمن صنع الله…”. فتحت (هيلينا) عينيها الجميلتين على اتساعها وهي تقول: “هذا شعر… اكتبه لي بالعربية مع ترجمة بالإنجليزية، لأحتفظ به للذكرى… إنه أجمل هدية…”

قلت لها: “نحن العرب ورثة مجد الصحراء الشعريّ، فليس في سمائنا ما هو أجمل من القمر، ولا بين كثباننا ما هو أجمل من عيون المها… ألم تسمعي قول (المتنبي): “من الجآذر في زي الأعاريب… حمر الحلي والمطايا والجلابيب”؟ و(جرير): “إن العيون التي طرفها حور… قتلننا ثم لم يحيين قتلانا” و (عليّ بن الجهم): “عيون المها بين الرصافة والجسر… جلبنا الهوى من حيث أدري ولا أدري”.

عند هذا الحد تسحّبت (هيلينا) بحذر، وقد ظنت بعقلي الظنون، لأنني كنت أنشد الشعر كأنني في سوق (عكاظ) ولم تطالبني بعد ذلك أبداً بكلماتي التي ظنّتها شعراً.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s